كتاب وأراء

وطني الأكبر

كان معظم مدرسي تلك الحقبة في قطر من الإخوة المصريين والإخوة الفلسطينيين، أما الطلبة فجلهم قطريون ومع الوقت التحق بمدرستنا بعض الإخوة من البحرين الذين نزحوا إلى قطر وسكنوا الريان أو غزة القريبة منه والتي هي اليوم مدينة خليفة الغربية في الغالب.
كان الوعي السياسي واضحاً لديهم، خاصة الوعي القومي بالذات، كانت بعض أسمائهم جديدة نوعاً ما على مجتمعنا التقليدي، على كل حال، كانت المدرسة تقدم لنا غذاءً تربوياً متكاملاً وليس فقط دروساً في المنهج المدرسي، فهناك مسرحيات وهناك تفاعل مع الوضع العربي بشكل أشعرنا كطلبة بأننا نعيش العالم العربي كله بين جنباتنا ونحمل الهم الكبير من المحيط إلى الخليج ضمن حقائبنا التي نحملها على ظهورنا متجهين إلى مدارسنا، من أشهر المسرحيات التي مازلت أذكرها وربما كنت في حينه في الصف الثاني أو الثالث، مسرحية «السيف والقلم»، وهي مأخوذة من قصيدة المتنبي المشهورة وبيته الأشهر: الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ.
وفي أحد الأيام وكنت في الصف الثالث الابتدائي وقبل طابور الصباح فوجئت بتظاهرة تخرج من المدرسة يقودها الطلبة الأكبر سناً منا في الصفين الخامس والسادس تتقدمهم صور الزعيم الراحل جمال عبدالناصر متجهين نحو شارع الريان القديم العام بين قصر الشيخ خالد بن حمد أطال الله في عمره، وبيت خالد بن عبدالله العطية رحمه الله، بعد أن أشاروا لمن هم في سني بالذهاب إلى البيت.
ولازلت أذكر صورة الرئيس عبدالناصر في المقدمة.
كانت المدرسة في حينه جزءاً من النظام العربي ومن وعي الإنسان العربي بذاته وبحقوقه، كما كانت تقوم بدور اجتماعي واقتصادي مهم وخطير، فعن طريقها كان الطلبة يتلقون المساعدات من كسوة سنوية كاملة صيفاً وشتاءً، بالإضافة إلى رواتب شهرية، بالإضافة كذلك إلى تغذية يومية متمثلة في توفير الألبان للطلبة بعد الحصة الثالثة وقبل الفسحة الرسمية بين الحصص. كان طابور الصباح مهرجاناً عربياً بامتياز يفتح آفاق الطلبة على عالمهم العربي الكبير يتم فيه استعراض قضايا الأمة العربية، قصيدة هنا عن فلسطين، وكلمة هناك عن الجزائر، كانت المدرسة نموذجاً مصغراً في وعي الطلبة عن «وطنهم الأكبر».

عبدالعزيز محمد الخاطر