كتاب وأراء

عـن أولــويــة العــودة إلى مثلث الشر القديم

في 29 يناير 2002 ألقى الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن خطاباً أمام الكونغرس أشار فيه إلى «محور الشر» الذي ستتصدى له واشنطن. وبسرعة تحولت الكلمة إلى عنوان للسياسة الأميركية. ثم انقلبت إلى موضة خطابية واسعة الانتشار استعملها آخرون لوصف ما يرونها تهديدات تواجههم. القوميون اليمنيون في أوروبا مثلاً يعتبرون أن المهاجرين والإسلام السياسي والعولمة مثلث شر تتربص أضلاعه الثلاثة بدولهم. والمتعصبون السنّة يرون العلمانية والشيعة والغرب ثالوث شر ينبغي تحطيمه.
والحشد الشعبي الشيعي يعتبر داعش والدول العربية السنية وسنة العراق مثلث شر يهدد الشيعة والتشيع. وفي إسرائيل يصورون إيران وحزب الله وما يسمونه بالإرهاب الفلسطيني كمثلث شر كتب عنه المؤرخ العسكري الإسرائيلي والنائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي «شاؤول شاي» كتاباً في 2017 بعنوان «محور الشر: إيران وحزب الله والإرهاب الفلسطيني». وكان أن انضم إلى مستخدمي تعبير مثلث الشر مؤخراً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي أشار إلى أن بلاده تعيش وسط مثلث من الشر يضم ثلاثة أطراف تعتقد أن المسلمين لا يعيشون حياة إسلامية صحيحة وهي إيران والإخوان المسلمين ومتطرفو تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.
ولا يملك من يراقب العلاقات الدولية أن يتجاهل وجود تهديدات جسيمة يحددها كل فاعل فيها بالطريقة التي يراها حتى لو انطوى ذلك أحياناً على بعض المبالغة. ولا اعتراض على وضع تلك التهديدات على هيئة مثلث أو حتى مربع أو أي شكل هندسي آخر. فالمشكلة ليست في وصف التهديد وإنما في المجاز من ورائه. ومثلث الشر تعبير مجازي لا يصور الحقيقة كما هي لأن مثلثات الشر غالباً ما تضم أطرافاً ليست بينها علاقة، بل وقد يوجد بينها أحياناً عداوات مثل عراق صدام حسين وإيران آيات الله. ولهذا فهو تعبير قد يخدع أكثر مما يفيد بما في ذلك خداع من يستعمله وليس فقط من يسمع عنه. كما أن حصر التهديدات في مثلث بعينه غالباً ما يغفل تهديدات أخرى كامنة ويوجه الموارد إلى مصارف خاطئة بما يضاعف خطورة التهديد.
وهذا ما يفعله كثيرون حول العالم الآن. يوجهون الأنظار إلى مثلثات شر بعينها وكأنها الخطر الأول والوحيد مع أنها مثلثات شر نسبية يختلف أهل الأرض حول من يجب ولا يجب أن يدرج فيها. فإذا كانت كوريا الشمالية مثلاً ضلعاً في مثلث الشر عند الأميركان فهي ليست كذلك بالنسبة للصينيين. وإذا كان حزب الله ضلعاً في مثلث الشر عند إسرائيل فهو ليس كذلك عند قوى مجتمعية وسياسية في لبنان. هذه المثلثات الشريرة نسبية ومع هذا يجرى تضخيمها لأن في ذلك مصلحة للبعض عندما يشنون حملات علاقات عامة وحروباً دبلوماسية. أما المفيد للإنسان أينما كان فيتمثل في العودة إلى مواجهة مثلث الشر الأقدم الذي خرجت من جوفه كل مثلثات الشر النسبية التي تتبارى الدول حالياً على رسمها.
ومثلث الشر القديم أضلاعه الثلاثة معروفة وهي الجهل والفقر والمرض. فلولا هذا الثالوث لما كانت موجات المهاجرين قد خرجت من أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط قاصدة أوروبا والولايات المتحدة، ولما كان اليمين الأوروبي اعتبر المهاجرين أشراراً ينبغي قمعهم مع أن أكثرهم مقهور ومغلوب على أمره. ولو لم يكن الجهل متفشياً في عالمنا العربي لما كان شباب كثر قد انخرطوا في جماعات الجهالة الدينية والإظلام الأيديولوجي التي تصنف اليوم على أنها من أضلاع مثلث الشر.
لكن العالم بكل أسف يركز على مثلثات الشر النسبية ويهمل المثلث القديم الذي هو مصدر كل الشرور. إنه عالم يحارب العرض وليس المرض. فالإرهاب والتطرف والتعصب مظاهر للجهل والفقر والمرض أو نتائج لإهمال مثلث الشر القديم الذي يتعين أن تكون أولوية التصدي كاملةً له. لكن الانشغال الدولي حالياً لا يهتم بمحاربة هذا الثالوث القديم ربما لأنه لم يعد يؤكل عيشاً مثلما تفعل مثلثات الشر المستحدثة التي صُنعت على الكيف وبالمقاس.
وما يتردد عن أن مثلث الشر القديم قد انحسر مع تراجع معدلات الأمية والوفيات والفقر ليس صحيحاً. فمايزال الجهل والفقر والمرض متفشيين بأشكال أخرى وربما أكثر خطراً. فجهل المتعلمين أشد ضرراً من جهل الأميين. وارتفاع متوسط الدخول كثيراً ما يخفي انحرافاً هائلاً في توزيع الثروة. وزيادة متوسط العمر وإن عكست تقدم الطب إلا أنها تخفي انتشار كثير من الأمراض النفسية المهلكة في عصر المجتمع الاستهلاكي مثل الأنانية والفردية المزمنة والأطماع بكل ما تقود إليه من عنف. ولهذا كله وبدون مواجهة دولية جماعية لمثلث الشر التقليدي، فإن مثلثات الشر النسبية المستجدة ستظل تخدعنا بحروب لا طائل من ورائها لن تأخذ العلاقات الدولية إلا من حقبة قلقة إلى حقبة أخرى أكثر قلقاً.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات