كتاب وأراء

الدوحة أم الدنيا

عندما انتقلت إلى المرحلة الإعدادية كانت لا توجد سوى مدرسة قطر الإعدادية للبنين في جميع أرجاء الدولة ساعتئذ، يفد إلى جميع طلبة الدولة من جميع المناطق ليستكملوا تعليمهم الإعدادي فيها، وهي مدرسة شاسعة المساحة مترامية الأطراف فيها العديد من الملاعب.
في مدارس المناطق الخارجية كانت بيئة الطالب صغيرة ورفاقه محدودون والجميع يعرف الجميع والمسافة من البيت قريبة في مثل هذه الظروف سادت أخلاقيات الفريج الواحد على طبيعة سلوك الطلبة، وكان احترام المدرس في مقدمتها والخوف من الناظر نابع من طبيعة وجود المدرسة الحديثة في وسط هذه البيئة، أخلاقيات الفريج الواحد أو المنطقة الواحدة، حيث لم يكن الاتصال ميسراً، كما نرى اليوم، ولم يكن الذهاب للدوحة بشكل يومي أو حتى أسبوعي لشباب تلك الأيام إلا لضرورة استطباب أو لحاجة ماسة، ولم تكن تسمى في الأغلب بالدوحة، حيث يشير الكبار في الأغلب إليها بمسمى «البلاد»، فتسمع أنا رايح البلاد، ويقصد الدوحة.. ما يعنيني هنا نمط سلوكيات الطلبة من جيلنا في ذلك الوقت حين انتقلنا إلى مدرسة قطر الإعدادية في الدوحة، بعد أن كنا من طلبة المناطق.. اندمجنا في مجتمع آخر من مجموع طلبة المناطق المختلفة في الدوحة الذين كانوا يسكنون القسم الداخلي، نظراً لصعوبة الانتقال اليومي لمدارسهم وكذلك بطلبة من الجاليات العربية التي كانت تسكن وتعمل في قطر، هذا المزيج، أفرز سلوكيات أكثر جديدة أكثر حدة ومواجهة ومقاومة عما سبق أثناء دراستنا في مدارس مناطقنا الخارجية، قل احترامنا للمدرس وبالتالي من الخوف منه، ساعدتنا مساحة المدرسة الواسعة للاختفاء عن الأنظار واجتياز السور والذهاب للأسواق والمطاعم، داخل الصف أيضاً لم نعد أولئك الطلبة الصامتين الخائفين، نمط جديد من الأخلاقيات أنتجه هذا التمازج لم نكن نعهده في مناطقنا الخارجية، حيث العزلة السائدة إلى حد كبير.. اليوم، خرجنا من أخلاقيات الفريج إلى أخلاقيات المدينة، أيام قطر الإعدادية، كانت سلوكيات طلبة في فترات المراهقة، وخلفهم آباء صارمون ومجتمع جميل يعيش بالأخلاق، كان الانتقال ضمن حيز اجتماعي واحد، اليوم في كل ساعة نحن ننتقل من حيز إلى حيز آخر، ومن نطاق أخلاقي إلى نطاق أخلاقي آخر مضاد له تماماً، في نفس الوقت نشكو ضعفاً تعليمياً ملحوظاً وتسيباً تربوياً ننسج منواله بأيدينا، رحم الله أيام قطر الإعدادية كم كانت أخلاقيات طلبتها التي كان ذلك الجيل يهجوها مثالية، لو أطلع ذلك الجيل على ما يخفيه المستقبل لأجيالهم اللاحقة.
بقلم:عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر