كتاب وأراء

الدرك الأسفل من المجتمع

اتصلت بي منذ سنوات قليلة ماضية صديقة لي وأبلغتني بأسى شديد نبأ وفاة شقيقتها الصغرى إثر أزمة تنفس.
رحلت الشقيقة الصغرى في أوائل العقد الثالث من حياتها، وكانت تعمل مدرسة للصفوف الابتدائية وفي الوقت ذاته مخطوبة لزميل لها. كان الاثنان يعملان بالقطعة كونهما لم يتم تثبيتهما بعد، وكان أجر كل منهما زهاء ستين قرشًا للحصة. على أن أخت صديقتي كانت ترى شبهة في الدروس الخصوصية، وعلى الرغم من ضحالة راتبها، فإنها كانت تقدمه جله لخطيبها مساهمة منها لدفع قسط الثلاجة وبعض أثاث بيت الزوجية.
تذكرت هذا الاتصال حينما اطلعت على كلمة كتبها انطون شيخوف: «إن من الحماقة أن تدفع ملاليم لرجل مدعو لتربية شعب»..
ثم أردف: «لا يجوز أن نسمح بأن يسير المدرس بأسمال بالية أو أن يرتعش من البرد في المدارس الرطبة المهملة.. عار علينا امتهان إنسان يؤدي عملاً بالغ الأهمية ثم إذا ما قابلته شعر بالحرج من ثيابه الرثة.. كل هذا كريه.. يا له من بلد أحمق روسيانا هذه».
حقاً يا لها من بلاد حمقى من تتوقع أن تمنح مدرسيها بقلاً وتنتظر أن تربح من الطلاب غنماً. يرى تشيكوف أن المدرس يجب أن يعيش كفنان، كمصور، أو كإنسان متيم بعمله، لا كعامل يدوي أو شخص ضحل الثقافة يمضي إلى تعليم الأولاد بنفس الرغبة الذي يمضي فيها شخص إلى المنفى.
ويمضي تشيخوف: «لا يجوز أن نسمح بوجود مدرس جائع، مقهور أو خائف من ضياع كسرة خبز،لأنه ينبغي أن يرى فيه الطلبة قوة جديرة بالاحترام والتقدير، حتى لا يجرؤ أحد على الصياح فيه أو على إذلال كرامته».
حقًا، كيف لمعلم أن يعيش على موارد روحه وكيف له أن يكون حرًا داخليًا في حين أنه عاجز على تأمين موارد جسده؟
قد نتفق أنه محض عته أن يكون الإنسان متشدد المطالب إزاء الحياة، لكن أن يصبح السكن، الكساء والحياة اللائقة أشبه بأحلام يقظة لفئة المعلمين، أن يتشابه حال المدرسين في بعض الدول العربية كطيور السماء لا تعرف صباحًا ماذا ستأكل ظهرًا؟ فهذا سيحيلنا لنتيجة مفادها أن توقعاتنا لمستقبل مثمر لأجيالنا الصاعدة ستكون بمثابة أضغاث أحلام. أن يتفصد الحقد من جبين مدرس ويطفر من عينيه الغيظ حينما يقارن حاله بصف طويل لفئات أخرى في المجتمع أسرى حبهم وغبائهم وكسلهم ونهمهم لخيرات الحياة، فيجد نفسه في الدرك الأسفل من المجتمع، فيما سواه من الكسالى في أعلى درجات السلم الاجتماعي.
هذا لنذير خطر.. ورغم ذلك لم يعد ناقوس الخطر يدق، ولن يدق بعد الآن؛ إذ أنه حتى النواقيس أدركت أن لا حياة لمن تدق له.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي