كتاب وأراء

عالم يؤرقه التخلف

خلص علماء في دراسة لهم، تبين أكثر الشعوب حبا للنوم، إلى أن سكان الدول المتقدمة ينامون أكثر من غيرهم، لتفغر هذه النتيجة الافواه، فكيف يرفل المتقدمون في تقدمهم، بينما هم ينامون اكثر مما ينام مساكين دول العالم الثالث، اذ يفترض ان يحرمهم الحفاظ على منسوب التقدم الذي هم عليه من النوم.
ما نشر عن هذه الدراسة باختزال يوضح نتائجها، ولكنه لا يبحر إلى أسباب هذه النتائج، التي أتوقعها تعود إلى الاختلاف في الافادة من الوقت وقيمته والاستثمار في هذا الوقت، فالمتقدمون لا يهدرون وقتهم، ولا ينفقونه فيما لا ينفع، بل لكل ساعة في هذا الوقت أهمية وضرورة، فهم يعملون ويعشقون ما يعملون، وإلى درجة ان «حب العمل» صار مرضا في اليابان مثلا، ويسمونه: «كاروشي»، وهو اصطلاح ياباني يعني: «الموت الفجائي بسكتة قلبية»، والذي يصيب الموظفين الذين يعانون من ضغط العمل، أو من القلق الكبير.
معظم دول العالم الثالث براء تماما من هذا الكاروشي، فهي محصنة ضده، والنتيجة البقاء في قائمة العالم الثالث، رغم ان هذه الشعوب العالمثالثية لا تنام كما تنام الشعوب المتقدمة، فهي من عشاق السهر العبثي الذي بلا طائل، لانه غالبا لا يوجد شيء مهم في الصباح الباكر يمكن عمله، فمن المحزن مثلا ان تجد المقاهي والكافتيريات واشهر الشوارع، ملأى بالساهرين على مدار الساعة، بينما الشعوب المتقدمة اعتادت ان تنام مبكرا لتستيقظ مبكرا، لان هناك عملا ينبغي القيام به باعتناء في الصباح الباكر.
وقبل تفشي ظاهرة المقاهي الساهرة في مدن وعواصم عربية عدة، قدم لنا شعراؤنا الاجلاء، ومنذ القديم، سببا آخر للأرق، وهو السهر تخيلا وتفكيرا في الحب المجنون، لاستحضار مراهق لطيف الحبيبة، وغنت مطربات ومطربون عدة لهذا السهر، وتقديم نصوص هذه الاغاني باعتباره دليلا على السقوط في هاوية المحب أو المحبة.
هذا لا يعني ان المتقدمين اناس متجهمون، متحجرو العواطف، لا يعرفون الراحة أو الترفيه أو السياحة، بالعكس، فهم أناس مرحون، ويذهبون إلى رحلات عديدة حول العالم، وينفقون إجازاتهم الاسبوعية فيما يرفه عنهم ويجدد نشاطهم، ويكسبهم طاقة جديدة على استئناف اعمالهم، وينامون يوميا عددا محترما من الساعات، لحاجة أبدانهم إلى راحة بعد يوم من العمل الجاد، فهم أناس يوزعون وقت يومهم توزيعا حكيما، ووقت العمل والنوم في هذا التوزيع محترمان تماما، أما في دول العالم الثالث ففوضى هدر الوقت وعشق السهر هي آفة الآفات، رغم الكلفة الباهظة لهذا السهر العبثي، وتسببه في استهلاك مفرط للطاقة الكهربائية، في الوقت الذي ستحتاج فيه المجتمعات مستقبلا إلى إنتاج وافر للكهرباء، حينما تتحول مواتير سياراتنا إلى سيارات كهربائية،
لكل ذلك وغيره ينام المتقدمون قريري العين، أما دول العالم الثالث فتؤرقها ثقافاتها التي تغرقها في السهر.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي