كتاب وأراء

المقاطعة كسلاح فعّال

تترافق فعاليات العمل الشعبي الكفاحي المناهض للاحتلال في فلسطين، وعبر مسيرات العودة على الخط الفاصل بين القطاع ومناطق فلسطين المحتلة عام 1948، مع تطور حملة مقاطعة الاحتلال.. وهي الحملة التي تُعَدّ في جوهرها شكلاً من أشكال المقاومة، بطابعها السلمي الحضاري طويل النفس، والتي يُمكن لها أن تحشد المزيد من الأصدقاء على امتداد العالم بأسره لمؤازرة القضية الفلسطينية.
لقد حققت حملات المقاطعة (BDS) نجاحاً لا بأس به في مواجهة «إسرائيل»، وتعرية سلوكها وسياساتها ضد الفلسطينيين على مستوى الرأي العام العالمي، وعلى المستوى الدولي الرسمي، وقد سَجَّلَت حملة المقاطعة كما ورد في التقرير الدوري للمكتب الوطني للمقاطعة في فلسطين سلسلة من النتائج الحسية الملموسة، كان منها خسارة «إسرائيل» نحو 15 مليار دولار نتيجة حملة المقاطعة منذ انطلاق نشاطها الأولي عام 2005، وحسب تقرير صادر عن وزارة «المالية الإسرائيلية» فإن «الاقتصاد الإسرائيلي» سيخسر سنوياً، من جراء مقاطعة عالمية شاملة نحو 10.5 مليارات دولار.
إن تلك المؤشرات تحمل دلالاتها القوية بأن هذا الميدان من العمل السلمي الديمقراطي كرة ثلج تتعاظم ولو ببطء مع كل إنجاز جزئي، فهي فعل تراكمي وتضامني وتشاركي، ورافعة من روافع المقاومة المتعددة الأنماط بيد الشعب الفلسطيني في ظل الاختلال الهائل في موازين القوى العسكرية على الأرض لصالح الاحتلال.
كما هو عمل فعّال لا يجوز التقليل من شأنه وأهميته أو الاستهتار به، فهو عمل يستطيع أن يرسم خطواته على الأرض، وأن يترك آثاره القوية في مواجهة الاحتلال على المدايات الطويلة، ولنا أكثر من مثال حي وطازج في سياق ما ذهبنا إليه، من التاريخ الفلسطيني ذاته، ومنذ ما قبل النكبة، حين شَهِدَت فلسطين إبان ثورة العام 1936 أكبر عملٍ سلمي وديمقراطي في مواجهة الانتداب، ومقاطعته ومقاطعة البضائع الواردة من بريطانيا إلى المستعمرات ومنها فلسطين، والقيام بالعصيان المدني الشامل، في إضراب الستة أشهر، والذي كان أكبر إضراب تشهده البلاد الواقعة تحت سلطة الانتداب البريطاني في حينها.
إنَّ خبراتِ كثيرةِ صنعتها العديد من شعوب العالم في مسارات كفاحها السلمي الديمقراطي المتعدد الأشكال والأنماط من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، بما في ذلك الخبرات التي اكتسبها الفلسطينيون أنفسهم، حيث عليهم الاستفادة منها، وألا يبخسوا هذا الشكل وهذا النمط الكفاحي.
وفي هذا المقام، يأتي دور الجهات الرسمية الفلسطينية المعنية، وعموم القوى والفصائل، وجهدها المطلوب من أجل ترسيخ ثقافة العمل الشعبي والسلمي في مقاومة الاحتلال، ونمط المقاطعة، في عموم المناطق المحتلة عام 1967، إلى جانب كل أشكال وأنماط الكفاح الوطني المعروفة بما فيها العمل الفدائي الموجه والمدروس، ورفع الوعي لدى المواطنين بأهمية هذا الشكل الكفاحي الراقي والحضاري في مواجهة الاحتلال وعدم التقليل من شأنه ومن فعاليته، والعمل المستمر من أجل توسيع عملية تدويل المقاطعة وتوسيع رقعتها الجغرافية من خلال التنسيق مع حركات التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني، ومع الأحزاب الصديقة وأعضاء البرلمانات الأجنبية.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان