كتاب وأراء

«شعبولا» الذي استغفل جمهوره

«المتمارضون» هو عنوان لقصة قصيرة للكاتب انطوان تشيخوف، والقصة تحكي عن زوجة جنرال روسي تمارس العلاج «الهوميوباتي»، وهو علاج غير معترف به بالجامعات الطبية.
كانت المعالجة تستقبل مرضاها في مكتبها، فزارها مريض مسن، ما أن دخل إلى مكتبها حتى ركع على ركبتيه مبديًا عظيم التبجيل لهذه المعالجة، واصفًا إياها «بالساحرة الرحيمة» كونها استطاعت شفاءه من آلام الروماتيزم المبرحة والتي استعصى على سائر الأطباء علاجها. واستفاض العجوز في إبداء إعجابه بالحبوب الثلاث الصغيرة التي كان لها مفعول السحر على صحته، كما بالغ في إسدال الأوصاف الرائعة على معالجته بوصفها تارة بالملاك الرحيم وتارة بأنها راعية الجنس البشري وتارة بأنها أم الأرامل واليتامى، شاكرًا إياها ومعترفا بأنها حررته من مرضه.
بالنهاية تضرج وجه المعالجة بالحمرة وأعربت عن سعادتها بشفاء مريضها، فعاود المريض تملق معالجته مقارنًا بينها وبين سائر الأطباء الذي لا هم لهم سوى جمع النقود. ثم صمت وأعرب لها عن شيء واحد يؤرقه وهو قلة الموارد فهو يحتاج نقودًا لشراء بذور لزراعة أرضه، لأنه ما فائدة الصحة في وجود العوز؟!
فمنحته المعالجة المال، فأعرب عن حاجته لشراء بقرة، فمنحته النقد لشراء بقرة، ففاتحها في احتياجه لشراء خشب لسد الثقوب في السقف الذي تتسرب منه الماء، ففعلت، كونها صدقت أو أرادت أن تصدق أنها الملاك الحارس.
في النهاية، ينتحب العجوز متأثرًا أمام معالجته ويدس يده بجيبه ليخرج منديلا يكفكف به دمعه ثم يخرج من مكتبها ممتنًا.
ترى المعالحة ورقة حمراء وقعت من العجوز، فتفضها، فاذا بها الحبوب الثلاث الصغار التي أعطته إياها لعلاج الروماتيزم والذي زعم أنها شفته من عضاله، لكنه في الحقيقة لم يتناولها. تسرب الشك لنفس المعالجة، فاستدعت باقي المرضى، لتجدهم بلا استثناء يمجدونها ويبالغون في تعظيمها ويبدون إعجابا بحصافتها ويسبون الأطباء العاديين وعندما يتضرج وجهها من شدة التأثر، يشرعون في سرد مطالبهم.
وتدرك - أخيرًا- أنها تستغفل وتستغل من مرضاها.
هذه الطريقة الخبيثة للتكسب موجودة حتى يومنا هذا. فعلى سبيل المثال، نجد بعض الفنانين مدركين لحاجة الجمهور للضحك، فيمثل «شعبولا» دور المهرج، ويصور نفسه ببدلة قماشها من نفس قماش الصالون، ويروج لصور تؤكد مظهر «العبيط» الذي يرتدي ملابس تتماشى مع أثاث بيته، ولأن الجمهور يريد أن يضحك على الجهلة من الفنانين. فإنه يبدي استعدادًا للتصديق بأن شعبولا ملتاث، وشعبان مدرك لحقيقة ان الجمهور يريد أن ينخدع لأن ذلك يحقق له راحة نفسية. وهيهات أن يفهم الجمهور أنه يستغفل من قبل مغن أتقن دور المهرج!
راقصة أخرى تدرك أن نجمها بدأ في الأفول وقد زاد وزنها، فلا تستطيع مزاولة الرقص الذي كان يدر عليها دخلًا هائلاً. لكنها عليمة برغبات الجمهور المحب للتسلية والسخرية من طريقة منطوقها أو من جهلها باللغات الأجنبية، فتتعمد نطق الانجليزية بشكل مضحك، بل تروج بنفسها لمقاطع فيديو لتثير حولها الأقاويل، حيث أن المزيد من السخرية تعني المزيد من المشاهدة، ومن ثم المزيد من الإعلانات التي ترادف تأمين دخلها المادي، كما تعني أيضا أن الجمهور متابع، وفي النهاية كله يقود لنتيجة مفادها أنه بالرغم من زيادة الوزن وتقدم السن، إلا أنها نجحت في التقوت من استغفال جمهورها.. والجماهير المغفلة ضحكت وسخرت وأخرجت شحناتها السلبية كما أنها ضغطت لايك و«سابسكرايب».
فمن ضحك على من؟
المريض أم المعالجة؟
شعبولا أم الجمهور؟
كاتبة مصرية
EMAIL:DALIAELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي