كتاب وأراء

المسيرات سوف تترك تأثيرها على مسار الصراع

فعاليات العمل الشعبي الكفاحي المناهض للاحتلال تُعَدُّ في جوهرها شكلاً من أشكال المقاومة، بطابعها السلمي الحضاري طويل النفس، ويُمكن لها أن تُحشّد المزيد من الأصدقاء على امتداد العالم بأسرهِ لمؤازرةِ القضيةِ الفلسطينيةِ.
مسيرات العودة في قطاع غزة على الحد الفاصل مع فلسطين 1948، بخاصة في حال استمرارها وتمددها نحو الضفة الغربية والقدس وحتى المناطق المحتلة عام 1948، ومحافظتها على زخمها وديمومتها، وبطريقةٍ مدروسةٍ، على هذا النحو الشعبي والسلمي، يُتوقَع لها أن تَترِكَ تأثيرها وبصماتها على مسار الصراع مع الاحتلال، وفي استعادة الروح الكفاحية للشعب العربي الفلسطيني في ظل الحالة الضبابية المُغيّمة على العالم العربي.
المهم في الأمر أنَّ هذا النمط السلمي من الأعمال الوطنية والكفاحية لا بُدَ أن يُعطي أُكُلَهُ ونتائجهِ المُثمرةِ ولو بعد حين، فهو عمل سلمي ديمقراطي وحضاري بامتياز، يتقبله الرأي العام على امتداد المعمورة، ولا يستطيع أحد أن يطعن به أو أن يطعن بمصداقية ودوافع أصحابه وحملة رايته، أو أن يتهم أصحابه بـ«الإرهاب».
كما هو عمل طويل النفس يحتاج لمتابعة ومراكمة، كما يحتاج لأفراد ونشطاء على درجة جيدة من الوعي السياسي ممن لديهم الاستعداد للمضي بهذا المشروع وفتح الأبواب أمامه، كما يحتاج لمشاركة منظمات المجتمع المدني، وبالتالي إشراك أوسع قطاعات الناس، وتجاوز المفاهيم القديمة التقليدية التي طالما كانت تقدس العمل الفدائي المسلح في مواجهة الاحتلال وحده دون غيره في البلاد الواقعة تحت الاحتلال على غيره من الأنماط الكفاحية التي أبدعت بممارستها العديد من شعوب العالم، ومنها شعب جمهورية جنوب أفريقيا إبان كفاحه ضد التمييز العنصري وضد نظام الأبارتهايد. فهي تجربة تؤكد إدراك الفلسطينيين لأشكال النضال المُمكنة والمناسبة والفعّالة وفق ظروف ومعطيات الواقع الراهن دون استسلام له، وبالتالي الخروج من إطار وحدانية الكفاح المسلح لوحده فقط ودون التخلي عنه ايضاً كخيار يبقى قائماً في كل الحالات.
إن تلك المؤشرات تحمل دلالاتها القوية بأن هذا الميدان من العمل السلمي الديمقراطي كرة ثلج تتعاظم ولو ببطء مع كل إنجاز جزئي، فهي فعل تراكمي وتضامني وتشاركي، ورافعة من روافع المقاومة المتعددة الأنماط بيد الشعب الفلسطيني في ظل الاختلال الهائل في موازين القوى العسكرية على الأرض لصالح الاحتلال.
كما هو عمل فعّال لا يجوز التقليل من شأنه وأهميته أو الاستهتار به، فهو عمل يستطيع أن يرسم خطواته على الأرض، وأن يترك آثاره القوية في مواجهة الاحتلال على المدايات الطويلة.
إن خبرات كثيرة صنعتها العديد من شعوب العالم في مسارات كفاحها السلمي الديمقراطي المتعدد الأشكال والأنماط من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، بما في ذلك الخبرات التي اكتسبها الفلسطينيون أنفسهم، حيث عليهم الاستفادة منها، وألا يبخسوا هذا الشكل وهذا النمط الكفاحي.
ففي ظروف ومعطيات الحالة الفلسطينية يكتسي هذا النمط أهمية كبرى، برهنت عليها نتائج الانتفاضة الكبرى الأولى التي انطلقت نهاية العام 1987، حيث اقتصرت فعالياتها على العمل الشعبي الواسع كالمظاهرات والإضرابات مع استخدام الحجارة بوجه الاحتلال، وقد استطاعت أن تعيد للقضية الفلسطينية حضورها الكبير إلى أروقة المجتمع الدولي، وأن تستقطب اهتمام وتضامن شعوب العالم على أوسع مدى، وأن تقلب الطاولة على دولة الاحتلال.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان