كتاب وأراء

«الجوري» في كل مكان

لا يطيب الحديث لـلعاشـق إلا إذا كان عـن محبوبته، كذلك لا يطيب الحديث للبعـيد عن وطنـه إلا عن الوطن، وليس في أخبـار وطني إلا ما يجعل الدموع تـنهـمر من العـيون والحزن يتكدس في القلوب، ولا يفيد الحزن ولا البكاء إلا كما قال ابن الرومي مخاطباً عينيه:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي / فجودا فقد أودى نظيركما عندي
نـقـل النعي الأسـبـوع الماضي نبـأ وفـاة سـوري آخـر عاش منفـياً باختيـاره، لأنه وجـد المنفى أرحم من الوطن. رحل ياسين رفاعية (82 عاماً) في بيروت التي أحبها وأحبته وهاجر منها وعـاد إليها. لا أعرف ياسـين رفاعـية معـرفة شـخصية، ولكنه من الذيـن تـتلمذت عـليهم في القـصة القصيـرة منذ نشـر مجموعته الأولى «الحزن في كل مكان» عام 1960.
لكن خبـراً آخر أحزنـني وفـرّحني، ها هي بلـدة مغـربية صغيرة تحـتضـن منـذ 1962 احتفالاً ضخماً بالورد الجوري، والورد الجوري شامي دمشقي، ولاحظوا اسمه العلمي ROSA DAMASCENE، والترجمة الحرفيـة له وردة دمشـق أو الوردة الدمشـقية. مدينة «قـلعة مكونـة» تبعـد 80 كيلـومـتراً عن مديـنة ورزازات التي تصور فيها أفلام عالمية، وقد اكتسب المهرجان سمعة طيبة، ويحضره سنوياً أكثر من مائة ألف من الزوار المغاربة والسياح. وهكذا تحولت هذه المدينة التي كانت أشـهر «معتقـل سـياسـي» إلى مدينة الورود كما سـماها الملك المغـربي الراحـل الحسـن الثاني، والآن تراهن على تطور مهرجانها لتعزيز وجهتها السـياحية الثـقافية، عـبر العـمل على إدراج المهرجان في قائمة التـراث المشـترك للإنسـانية لدى منظـمة اليونيسكو.
يذكر أن المغـرب يزخـر بـمواسـم ومهـرجانات عـديدة تجسـد تنوع مناطقـه ومنـتجاتـه الفلاحية التي تعد أهم قطاع اقتصادي في البلاد. فمن مهرجان للكرز، اعتمدته اليونيسكو تراثاً عالمياً، إلى موسم للتفاح وآخر للتمور وغيرها من الاحتفالات التي يجتمع فيها البعد الاقتصادي مع العمق الثقافي والتراثي.
زراعة الورد تعد النشاط الاقتصادي الرئيس لساكني المنطقة التي لا يكاد يخلو بيت فيها من قطعة أرض صغيرة تنمو فيها «الوردة الدمشقية»، التي يستقطر منها ماء الورد، ويعلب في قنانٍ تصدر إلى المناطق الداخلية للمملكة وبعضها إلى الخارج.
وتختار ملكة جمال الورود من بنات المنطقة، ويجب أن تضافر فيها الجمال الخارجي مع الفطنة والمعرفة بتاريخ المنطقة وتقاليدها.
حفلات موسيقية، ندوات حول التنمية المحلية، كرنفالات ومعارض للمنتجات التقليدية وغيرها من الأنشطة التي تصنع شيئاً من الصخب في الهدوء المعتاد لـقلعة مكونة، لكن فرح الوردة الدمشقية بهذا التكريم يشوبه بعض الحزن، لماذا يحتفى بها في غير أرضها؟ هل تشترك مع المبدعين السوريين الذين امتلأت بهم المهاجر والمنافي؟
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين