كتاب وأراء

الحصار وبروز المثقف «الغل»

يتعرض المجتمع الخليجي ككل لنزعة نفسية سلبية أبرزت ما يمكن تسمية بـ«إنسان الغل» وهو مسخ ما بين السادية والمازوشية، منذ بداية الحصار على قطر قبل أحد عشر شهراً تقريباً.. ولي هنا بعض الملاحظات أود أن ألخصها في التالي:
أولاً: السادية هي التلذذ بإيقاع الألم على الغير وهو شعور متطرف يصاب به الإنسان برغبة في تعذيب الآخرين، بينما المازوشية هي انعكاس للسادية بمعنى أنها رغبة بإيقاع الألم على النفس إن لم يجد من يقوم بذلك من الطرف الآخر.
ثانياً: للشعوب نفسيات عامة بعضها مغمور وبعضها ظاهر، حيث إن الدولة في منطقتنا العربية بشكل عام وفي دول الحصار بشكل خاص جسم متعال على المجتمع ويمتلك سلطة القمع بيد وسلطة الأيديولوجيا باليد الأخرى فإنها تستطيع قمع هذه النفسيات حين تشاء وتفريغها حيث يشاء وفي الوقت الذي تشاء.
ثالثاً: الحصار على الرغم من أنه يبدو موجهاً لدولة قطر إلا أنه أيضاً كان مناسبة مواتية لدول الحصار للتفريغ النفسي عن شعوبها بشكل مبتذل وللممارسة السادية بكل أشكالها الفجة اللفظية والمادية التي لو استمرت قد تنفجر داخلياً بشكل مدمر.
رابعاً: بروز المثقف السادي أو مثقف «الغل» الذي كل ما كان أكثر سادية صار أكثر حضوراً هو شكل من أشكال عدم الانسجام مع وظيفة الثقافة أو بالأحرى غياب الثقافة بشكل عام، ما نشاهده ليس ثقافة وإنما ممارسة للسادية، عندما يصبح شعباً كاملاً موضوعاً للكراهية من قبل أنظمة أيديولوجية تعتمد السادية وتفرض على شعوبها اعتمادها بالقوة، فنحن أمام ما سماه الفيلسوف الألماني مايكل شيلر «إنسان الغل» الذي إذا ما أخفق إلى تحقيق مراده تصبح لديه من العقد النفسية الكثير منها شعوره بالنقص والحقد والحسد تجاه الآخر.
خامساً: من يتابع يرى أن المنزلة الأعلى جراء ذلك وربما الحظوة المادية والمعنوية هي للأسوأ شعراً ونثراً والذي به أكبر قدر من الممارسة للسادية اللفظية الماجنة تجاه الآخر.
سادساً: مع الأسف لم تفلح أنظمة التعليم عبر العقود السابقة من إيجاد مثقف متمتع بصحة نفسية حقيقية نظراً لأنها تضمنه أجهزة الدولة الأيديولوجية فلايزال مثقف «الغل» متوفراً ورهن إشارة الدولة.
سابعاً: سقوط اللفظ يدل على سقوط المعنى، وبالتالي سقوط التاريخ الذي يحمله هذا المعنى، عندما تمارس أبشع الألفاظ والمسميات بحق من كانوا يسمون «رموزاً» مهما كان مقدار التحفظ على هذا القول، ألا أنهم يمثلون معنى ربما لم نصنعه ولكن وجدناه، فبدون أن نتمكن من صناعة المعنى يصبح المعنى الموجود فاعلاً لأن سقوطه دون وجود البديل يعني سقوط التاريخ أو الفوضى.
ثامناً: المفارقة أن دول الحصار بعد أن مارست سياسة سادية ضد قطر دافعة شعوبها إلى ذلك دفعاً، عادت ومارست أشد أنواع «المازوشية» تجاه ذاتها وأصبحت تتلذذ بإيقاع الألم على نفسها ودعوة الغرب أيضاً أن يقوم بذلك حتى تشعر باللذة، أنكرت السعودية تاريخ الفكر والمنهج الوهابي الذي اعتمدته مرجعية إسلامية لها منذ عقود طويلة، ومارست من خلاله جميع أنواع البطش والإرهاب باعتراف ولي العهد نفسه استجابة لرغبة الغرب، ويبدو هذا الأمر نصراً «ظبياناً».، هذه «المازوشية» إذا أصابت مجتمعا فلا يمكن أن يتخلص من تأنيب الضمير من كل ماضيه إلا أن يتجدد كوطن لكل أفراده ومواطنيه.
تاسعاً: يقال «إذا مات الشاعر مات المعنى معه» كيف يمكن أن يموت «إنسان الغل» حتى يموت معنى الغل معه الذي أتى على خليجنا المتآلف المتحاب. هنا تبدو مسؤولية الشعوب بأخذها مسافة بينها وبين الأنظمة وطرد من يحاول أن يصطاد في الماء العكر وفي الخلافات بينها لكي يعيش ويستمر على أنقاضها.
عاشراً: إنسان الغل أيديولوجيا يُلقن وليس معرفيا يبحث عن الحقيقة أن لم يقلها صمت أو نطق بالحسنى، ينبغي من رئيس القوم أن لا يحمل الحقد كما قال شاعر العرب، كيف يمكن تبرير حصار «شعب» قطر دونما أن يكون «الغل» قد بلغ بحكام دول الحصار مبلغه، اللهم ردنا إليك.
بقلم : عبد العزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر