كتاب وأراء

ما بعد انتخابات الرئاسة المصرية

لم ينتظر الشعب المصري موعد الإعلان الرسمي لنتائج الانتخابات الرئاسية لمعرفة من سيكون رئيس مصر القادم، لأن القاصي والداني كان على يقين تام بأن رئيس مصر الحالي سيكون رئيسها القادم لسنوات أربع قادمة تنتهي في يونيو 2022. غير أن هذه الانتخابات، وبصرف النظر عن تفاصيل النتيجة التي ستعتمد رسميا، تكشف عن أزمة خانقة تمسك بتلابيب النظام السياسي الحالي في مصر، بجناحية الحاكم والمعارض على السواء.
أزمة الجناح الحاكم تجلت بصورة واضحة منذ اللحظة الأولى لانطلاق العملية الانتخابية، خصوصا من خلال إصراره على استبعاد كل المرشح الجادين بكل الوسائل المتاحة، الأمر الذي اضطره للبحث في اللحظة الأخيرة عن مرشح «كومبارس». ولا جدال في أن الملابسات التي أحاطت بإعلان الفريق سامي عنان بالذات عن نيته في الترشح، والتي انتهت بالزج به في غياهب السجن، كانت كاشفة لعمق الأزمة التي تواجه النخبة الحاكمة. أما أزمة الجناح المعارض فقد تجلت في كل الأوقات، خصوصا بعد فشل كافة الجهود الرامية للتوصل إلى رؤية مشتركة تمكن فصائله المختلفة من إجبار النظام الحاكم على توفير حد أدنى من ضمانات النزاهة والشفافية للانتخابات الرئاسية.
كان يفترض أن تتيح هذه الانتخابات الفرصة أمام النظام السياسي، بجناحية الحاكم والمعارض، لثبيت شرعية النخبة الحاكمة وأو لفتح طريق لنقل السلطة سلميا في نهاية فترة الولاية الثانية للرئيس السيسي. غير أن ما جرى خلال هذه الانتخابات أفضى إلى نتيجة معاكسة تماما. فليس بوسع الجناح الحاكم من ناحية، أن يدعي أن الانتخابات أدت إلى تثبيت شرعيته، وليس بوسع الجناح المعارض أن يدعي، من ناحية أخرى، أنه خرج من هذه الانتخابات أقوى مما كان عليه قبلها أو أنه تمكن من فتح الباب المغلق نحو التحول الديمقراطي. ولأنه ليس من المرجح أن يقدم الجناح الحاكم على تغيير سياساته الراهنة، خصوصا ما يتعلق منها بقضية التحول الديمقراطي، يرجح أن يلجأ إلى تعديل الدستور للاختيار بين بديلين: الأول: تمكين الرئيس السيسي من البقاء في السلطة مدى الحياة، من خلال السماح له بالترشح لفترات ولاية أخرى دون تحديد مثلما فعل الرئيس السادات عام 1980.
الثاني: إيجاد آلية لتداول السلطة داخل النخبة العسكرية الحاكمة وحدها، باستحداث منصب نائب الرئيس مع اتخاذ ما يكفي من ضمانات تكفل تمكين النائب من أن يصبح رئيسا القادم في حال وجود فراغ في السلطة، أي العودة لنظام شبيه بما كان قائما قبل ثورة يناير، سواء في طبعته السابقة على 2005، بالاستفتاء على رئيس ترشحه السلطة التشريعية، أو في طبعته اللاحقة، عبر انتخابات مهندسة وراثيا لتصبح أقرب إلى الاستفتاء.
هنا من الطبيعي أن تثور تساؤلات عدة حول ما إذا كانت قوى المعارضة ستستسلم لهذا المصير الذي يبدو محتوما أم ستبحث لنفسها عن طريق مختلف لإحداث التغيير، والذي يصعب تصور أن يتم إلا من خلال بدائل ثلاث:
الأول: تحريك الشارع للثورة على النظام الحاكم، وهو بديل لا تقوى عليه أي من فصائل المعارضة، وقدرتها على التوحد لتفعيله يبدو أمرا بعيد المنال في المستقبل المنظور.
الثاني: حدوث انقلاب من داخل الجناح الحاكم، وهو أسلوب قد لا يفضي بالضرورة إلى تغيير نحو الأفضل، بافتراض إمكانية حدوثه من الأساس.
الثالث: التغيير عبر صناديق الاقتراع، حتى لو اضطرت لانتظار انتخابات عام 2022. ولا جدال أن هذا هو البديل الأفضل، لكنه يتطلب أن تسعى كافة فصائل المعارضة وبحسن لتوحيد مواقفها منذ الآن حول رؤية مشتركة لكسب هذه الجولة، وهو احتمال يبدو متعذرا أيضا على المدى المنظور.
فهل تحدث المعجزة ويدعو الجناح الحاكم لحوار مع المعارضة بحثا عن مخرج يجنب مصر سيناريو الفوضى القادم لا محالة إذا غابت الحكمة عن الجميع؟
بقلم:د. حسن نافعة

د. حسن نافعة