كتاب وأراء

من يرِد المال يقرأ هذا المقال

دخلت عليه في مكتبه..
لم يكن مكتبا بالمعنى المعتاد، رغم فخامة أثاثه، هو أقرب إلى الورشة منه إلى المكتب.
لم أجد شيئا واحدا في مكانه الصحيح، الفوضى نظام في هذا المكان من شدة الفوضى..
ذقنه مواليد عشرة أيام خلت، مختلط فيه البياض بالسواد على صفحة خد أنهكه الشحوب والتعب، وفوقه عينان أضناهما السهر..
جواله لم يكف عن الرنين كأنه صياح أم ثكلى على ولدها من كثرة ما رن.
القهوة التي أمامه من مرارتها كأنها من محابر ديوان المظالم في العصر العباسي.
الدخان يملأ المكان مثلما يملأ رئتيه، لا تكاد السيجارة تفارقه أصبعيه، ومن كثرة ما يدخن تشعر أنه يدخن بسيجارتين معا.. واحدة في فمه والأخرى في يده.
جلست معه وأنا أراقب ما يحدث؟
ابتسمت وقلت له:
أنت محكوم كم سنة أشغالا شاقة في هذا المكتب؟
ضحك وقال:
إي والله، أشغال شاقة، لكن ماذا أفعل.. إن الحياة لا تتجمل لك إلا بالمال، والمال لا يأتي إليك إلا بالتعب والعناء.
أحسست حين خلطت قوله بفعله بواقعه، أن لديه عمرين، عمر ليشقى بجمع المال والعمر الثاني للاستمتاع بإنفاقه..
لم أدخل معه في جدال،
لأنني لن أستطيع أن أقنع شخصا عنده قناعة بصحة ما يفعل.
ذهبت منه وأنا أفكر بيني وبين نفسي بمثل هذه النوعية من البشر، الذي يعيش حياته كلها لجمع المال وادخاره في البنوك أو البيوت أو على شكل أراض وعقارات..
متى تعيش يا هذا؟
متى تستمتع بمالك؟ وتأكل ثمرة كد وعرق كل هذا السنين؟
الجسد مركوب والروح راكب، وكل منهما تجب عليك متعته والعناية فيه..
متعة الروح العواطف، ومتعة الجسد الرفاهية..
هؤلاء الموظفون والعمال الذين تغربوا عن أوطانهم، أغلبهم يظل يعمل بعيدا عن وطنه وأهله وأبنائه وزوجته سنين طوالا، لا يراهم إلا شهرين في السنة على أعلى مدة، ولا يعود عودة طويلة إلا جثة هامدة؟
كفاك ما جمعت، وعش حياتك، استمتع... فأيام العمر تمضي ولا تفرق بين يوم عمل ويوم راحة..
استمتع ولو بالقليل، لا تنتظر أن تشبع من مال الدنيا مهما جمعت، فإنه لا يشبع من المال مهما كثر، هو مثل ماء البحر كلما شربت منه أكثر تعطش أكثر..
برأيي معادلة المال كالتالي:
ضرب، ثم جمع، ثم قسمة، ثم طرح.
بقلم : بن سيف

بن سيف