كتاب وأراء

الثقافة الصفرية .. على طريقة «المطيري»

«يبدو أن الدول التي فرضت الحصار قد تورطت فيه، إذ أصبحت أسيرة خطابها الإعلامي»... كلماتٌ تختصر مسرحية الحصار التي نسجت من خيال، بل تختصر حتى ما آل إليه الأمر برمته في إمارة أبوظبي خصوصاً، التي عجزت على ما يبدو عن الأتيان بكاتب أو كاتبة من أبناء زايد (رحمه الله) في رسم المشهد الثقافي خاصة إذا ما علمنا أن الإمارات تزخر بتاريخ عميق، يكفي أن تعرف أن الكابتشينو صنيعة إماراتية، وأنّ عنترة بن شداد أصله إماراتي.. وأن الرمسة الإماراتية هي إحدى لهجات قريش.. وعلى سبيل المثال «واااه بويه» مشتقة من كلمة «وا رباه» إذن هي حضارة، وثقافة ضاربة في العمق.
السؤال لماذا يا تُرى استنسخت أبوظبي متحف اللوفر رغم هذا الرصيد الوافر؟! ربما هو نفس السبب الذي دفع صحيفة البيان الإماراتية لتبيان حقيقة الثقافة في قطر إلى أن تستعين بخبيرة في هذا المجال.. خبيرة في علم الثقافات والحضارات، مثقفة، متعلمة، سعودية! عفواً هذا لا علاقة له بالثقافة لأن إذا كان الاختيار على هذا الأساس فقد تكون مقالة مسيسة ونستبعد هذا الشيء طالما أن الحديت عن قطر الصغيرة..
طبعا لا يوجد أجمل ولا أفضل ولا أكفأ شخص للتصدي لهذه المهمة سوى الكاتبة الكبيرة.. نورا المطيري.
العارف هنا لا يعرف، والباحث في السيرة الذاتية للكاتبة سيعرف بلا شك رصيدها الكبير ولهذا خصصت هذه المقدمة الطولية والتي حتماً لن توفي حق كاتبتنا الكبيرة جداً جداً.
لقد استوقفتني مقالة بعنوان أي ثقافة يا قطر؟ لكاتبتنا السعودية في صحيفة البيان الإماراتية.. وهي تعرض بالثقافة القطرية على الطريقة الروسية.. أدركت لحظتها أنّ حالة دول الحصار أشبه ما يكون بفوبيا قطر... حالةٌ لم تقتصر على مسؤوليها السياسيين بل تعدت ذلك لتشمل الثقافة والإعلام.. لذلك أتمنى أن ترتقي كلماتي إلى عظمة مقالة «نورا المطيري»
حقيقة، لا أخفي عنكم، فللوهلة الأولى قلت في نفسي: لعل ما جاء في المقال من بيان يكون تبيين للمثقفين عما وصل إليه الحال من قطيعة للأرحام، وهتك للأعراض، وقد تدعو المطيري إلى الحوار كما نادت به قطر منذ أول يوم.
من البديهي أن أتساءل بهذه الكيفية! لكن بعد قراءة المقال تساءلت مجدداً كم سهرت كاتبة المقال من الليالي.. وعلى كم اطلعت من المراجع.. وكم حبكت من جوامع الأفكار في السياسة والثقافة، حتى تُتحفنا بهذا المقال والتحليل العقيم.. عفواً العظيم؟!.
الكاتبة تصر إلحاحا أن عام الحوار الثقافي - القطري الروسي، لم يكن سوى أمر مباغت أو أنه فعالية طارئة أمْلتها تطوراتٌ راهنة لا أكثر ولا أقل، ومصالح قطريةٌ بحتة.. والحال أن هذه الفعالية أُعد لها مسبقا، ولم تكن وليدة تطورات جيواستراتيجية، بل هي في صميم التعاون القطري - الروسي الذي يبدو أن الكاتبة لم تسمع به إلا اليوم.. وهي لا تلام على ذلك، طالما أن ما كتبته لا يتعدى حدود المراهقة الأدبية والسياسية.
وقد نجد العذر لأختنا نورا فهي تتوقع أن كل شيء يمكن أن يشترى بالمال.. التاريخ، الحضارة، الفن، وحتى المبادئ.. ولا أعلم من أين جاء لها هذا الإحساس بأن كل شيء يباع ويشترى.. قد تكون رأت نماذج قريبة منها من إعلاميين ووسائل إعلام تعرض نفسها للبيع.. خاصة أنهم يقولون إن للدراهم مفعول المراهم!!
أما ما أشارت إليه من تقليد قطر للإمارات في هذا الجانب، فنقول لها إن ما قامت به قطر هي سُنَّة دأبت عليها وأكدتها قبل ذلك في العام الثقافي مع ألمانيا السنة الماضية.. وقبلها مع الصين.. وتركيا.. والبرازيل.. والمملكة المتحدة.. وصولا إلى اليابان.. وهو تعاون لا يشترى بالمال بل يكتسب بالثقة والتقدير كما قلنا سابقاً.. كما أن تعاونها مع الجمهورية الفرنسية في الشأن الثقافي مشهود به على مستوى المنطقة ويكفي أن قطر عضو في الفرنكوفونية وهذا دليل على أن الثقافة القطرية تحتوي الجميع.. بينما كانت أبوظبي تغري كتابا وإعلاميين في فرنسا، وتعقد المنابر لتشويه قطر، وتسمي ذلك حراكا ثقافيا وأكاديميا.
تَمضي الكاتبةُ بعد ذلك، لتصف متحف قطر (وكأنه لا يوجد سوى متحف وحيد) باليتيم والفارغ... أوَ لم تعلم المسماة «نورا» أنه فيما تجلب أبوظبي نسخَ المتاحف الغربية بطريقة تظهرها في مظهر الفاقد للهوية أمام شعوبها والعالم.. وتعلق بداخلها خرائط تطمس وجود قطر لتضع «اللوفر» ذاته في موضع المحرج المعتذر للدوحة.. تفتخر قطر ومعها كل الأمة العربية والإسلامية بمتاحف الفن العربي ومتحف الفن الإسلامي الذي افتتح عام 2008.. حتى قبل أن تتبلور فكرة متحف اللوفر في أبوظبي.. هي فكرة قطرية نابعة من إيمان قطر بتاريخ العرب والمسلمين الزاهر.
ثم.. ألم تعلم أن «فوبيا» قطر ورطت السعودية والإمارات بشراء لوحة بسعر خيالي من خلال تنافس شخصية مرموقة من الرياض وشخصية لا تقل رقياً عنها في أبوظبي– دون أن يعرف كل منهما المنافسَ الآخر- في مزاد لشراء لوحة «سلفاتور منتي» أو مخلص العالم للرسام العالمي ليوناردو دافنتشي مقابل أكثر من 450 مليون دولار.. وهي معلومات أكدتها صحيفتا «ديلي ميل» و«نيويورك تايمز».؟ حيث كانا يعتقدان أن قطر هي المنافس! نعم هذه قطر الصغيرة جدا جدا ترى من البائس الآن؟
يَمضي المقال البائسُ اليائسُ، ليشير- بناء على هذيان صاحبته وغيبوبتها الكتابية- إلى جدوى حوار ثقافي روسي - قطري يجمع فيودور دوستوفيسكي (المتوفي أصلا منذ 1881) وأنطون تشيكوف (المتوفى منذ عام 1904) وميخائيل شولوخوف (الذي فارق الحياة قبل أربعة وثلاثين عاما)، من جهة.. مع بعض الكتاب والإعلاميين القطريين، من جهة أخرى، وذكرت عبدالله العذبة وجابر الحرمي وغيرهما من الذين قالت إنهم لم يقرؤوا كتاباً في حياتهم.. شكرا وصلت رسالتك سيدة «نورا».. سنوصيهم أن يقرؤوا ويتثقفوا كثقافتك!!... ولكن الأهم أن يضاعفوا قراءتهم للقرآن الكريم ليلا ونهارا حتى يرقوا أنفسهم من كوابيس المحادثات والحوارات مع الموتى.
تتحفنا كاتبة المقال بتحليل آخر جهبذ يفيد بأن قطر تشتري الأسلحة وتمنحها لإيران لتحارب بها السعودية في اليمن!!.. الله أكبر.. ما هذا التحليل العظيم والاستخلاص القويم؟!.. لكننا عندما نتمعن في الأمر قليلا فلنا أن نعذرها وهي التي تكتب مقالاتها في دكاكين وبقالات إعلام الغير.. ولذلك هي تخيلت أن الأمر أشبه ما يكون ببقالة أسلحة أو دكان صواريخ تتردد عليها دولة معينة وتشتري منها ما تيسر من البضاعة وتمنحها إلى طرف آخر.. والتوصيل أو «الديلفري» لإيران..
سؤال.. سيدتي الجميلة.. أليس كان من الأسهل لقطر، وهي التي شاركت قوات التحالف العربي في اليمن وقدمت شهداءها دفاعاً عن الحق آنذاك، أن تحارب السعودية؟! هل تناست أن قطر كانت سنداً وعوناً في اليمن؟! هل تناست كيف أن قطر دافعت بأرواحها عن إخوانها السعوديين في معركة الخفجي؟!
هل تناست كل هذا؟!..
عموما لصفقات الأسلحة ناسها.. وإن لم تتوصلي لمعرفة التفاصيل؛ ففتشي عنها في لوحة ترامب التي رفعها في وجه السعودية؛ بل وأعلن على الملأ أن المملكة تاجر مثالي.
ويجب أن تدفع المملكة صاغرة مستصغرة.. ويبدو أن عملية البيع والشراء تتم على طريقة أم خماس وصديقتها أم علاوي «كم آخر آخر كم»!
تمعن كاتبة المقال في تحليلها الفريد لتربط بين قطر ودمار وتشتيت سوريا.. وسؤالي: هل دعم الشعب السوري في ثورته من أجل الحرية التي لا تشترى بثمن هو تدمير؟!.. هل إغاثة النساء والأطفال والمهجرين هو تدمير؟!.. أم أن من يربك مسار الثورة ويعقد مفاوضات السلام بل ويحاول أن يفرض على الشعب السوري واقعا رغم أنفه ببقاء الأسد كما صرح بذلك ولي العهد السعودي للصحافة الأميركية قبل أيام.. هو من يدعم سوريا وشعبها؟!.. أم أن هذه الأمور جاءت من جهة عينك التي لا ترى.. والحال أن اسمك «نورا» وتستطيعين أن تهتدي إلى النور، وتبصري الحقيقة بسرعة!!
ليس ذلك فحسب.. فالكاتبة العبقرية تقول إن قطر استمالت طالبان وشجعتها.. نعلم أنك تعلمين أن ما تقولينه كذب.. فالدوحة أطّرت التفاوضَ مع طالبان بمباركة أميركية ولم تسع إلى ذلك وتدفع الغالي والنفيس كما تُصورين وتتصورين.. بل إن من سعى في ذلك هي الإمارات التي تدفع لك أيضا أنت اليوم أموالا لتكتبي في صحفها وتروجي لألاعيبها المفضوحة والتي لا تختلف عن ألاعيبك المكشوفة.
أما مسألة القاعدة فأضحوكة ما بعدها أضحوكة.. فالمتلقي يمكن أن يصدق كل شيء عدا أن يصدق أن القاعدة صناعة غير سعودية.. ولن نوغل في الموضوع كثيرا.. فكلمة «جاستا» أصبحت اليوم طاردا للنوم في سعوديتك، وكابوسا يمتد إلى الإمارات التي تسترزقين من أموالها وتغذيك بمكافآتها مثلما غذت قبل ذلك تنظيم القاعدة في أحداث سبتمبر الشهيرة.. لتصطفّ اليوم مع السعودية في صف المتورطين المجرمين.
كل ذلك لم يكف هذه الكاتبة العبقرية، فتجدها مصرة على مواصلة تقيؤها الكتابي باستعارة عبارة وزير خارجية دولتها (السعودية) أن قطر صغيرة جدا.. وهنا نسألها إن كانت قطر بكل هذا الحضور والثقل في روسيا وسوريا وغيرها وهي صغيرة جدا فكيف لو كانت كبيرة بكبر حجم السعودية.. ماذا كانت لتفعل؟.. وماذا فعلت السعودية بكل هذه الجغرافيا الكبيرة جدا جدا؟
لتكون الخلاصة، أن الحصار ومن كان وراءه، تحولوا إلى شيء صغير جدا.. جدا.. جدا..
وانا أضم صوتي إلى صوت نورا لعله يصل إلى أبعد مدى: أي ثقافة يا قطر؟ لماذا لا تسير قطر على نهج أبوظبي في نشر ثقافة التعايش.. ثقافة العودة إلى الجذور الثقافية التي تجمعنا مع امتدادنا الجغرافي والتاريخي.. ولنا في التجربة الإماراتية مثال عندما اقتلعت أشجار جزر سوقطرة لتزرعها في أرض غير أرضها.. عفواً أقصد في الأرض التاريخية فمن ينكر الأصول القبلية بينهما؟!..
وأختم قولي هذا بما أن الإمارات استعانت بخبرات سعودية من باب التمازج الثفاقي الثري.. فهل سنرى فنون اليوله في الجنادرية.. كبديل عن العرضة النجدية.. أم سنرى فنون الرقص لدى ساحل عمان حاضرة في السعودية؟!!..
هو حديث ذو شجن.. خاصة أن حديثنا عن الثقافة يا سادة.
بقلم : ماجد الجبارة

ماجد الجبارة