كتاب وأراء

القصور الإداري

كنا نؤمن دوماً أن المحن لم تخلق لتكسر الإنسان بل في الأصل كي تصنعه، إلا أن يكون هذا الإنسان ركيكاً لا يصلح لخلق أو صناعة. ويقال: السم الذي لا يقتلني يقويني وذلك ما شهدناه ولله الحمد بعد 300 يوم من الحصار وقد أوشكنا على أن ننهي عاما كاملا من الثبات نستطيع أن نعتبره دورة مكثفة في الوطنية، ما كنا نستطيع أن نقدمها في مناهجنا على مدى عشرات السنوات للأجيال الحديثة التي استيقظت على معانٍ جديدة في الحياة منها أن الوطن بكل ما يعنيه من انتماء وهوية، واستقرار قد يسلب إن لم نصنع وطناً قوياً بأنفسنا.
كثيرة هي الأمور المهمة التي يجب أن نلتفت لها في مسيرتنا الحالية التي تأطرت منذ زمن الحصار كالاستفادة من الخبرات الوطنية المتقاعدة، وتفعيل العمل التطوعي، والرقابة المجتمعية في إطار حدود، وقوانين تنظم هذه الأعمال، وتتيح أقصى استفادة ممكنة منها، استفادة حقيقية، ومثمرة وليست شكلية، مؤقتة، الأمر الذي يعتبر من إيجابيات التقدم في المجتمع الغربي، وقد سمعت بنفسي من كفاءات متقاعدة أنهم عرضوا على جهات متعددة في الدولة المساهمة بشكل تطوعي في أعمال مجتمعية تساند أعمال هذه الجهات إلا أنهم لم يجدوا أي رد.
هنا نتساءل: هل المشكلة في كون هذه الإدارات مازالت تشهد عجزاً في إدارة أعمالها، وموظفيها أنفسهم؟؟ مما يجعل الاستفادة من الكفاءات الخارجية عبئأ مضاعفا لا يمكن إدارته، وتوجيهه، أم أن هناك سببا آخر. وهنا نتوقف عند مشكلة القصور الإداري والتركيز عليها حيث أننا ومنذ سنوات ندور في ذات الدائرة التي أحوجتنا لاستيراد إداريين من الخارج أخذوا أكثر مما قدموا، وهدموا أكثر مما بنوا، بسبب غياب الكفاءات الإدارية الوطنية المخلصة عن هذه الجهات أو عدم فعالية دورها إما لأنها غير مؤهلة أصلا، أو لاكتفائها بدور المتفرج حتى يسهل عليها التسيب من العمل، وعدم تحمل المسؤوليات الحقيقية التي تلزمها. وهناك الكثير من السلبيات التي يفرزها هذا القصور الإداري حيث يغدون نموذجا يحتذى به من قبل الموظفين. وحيث القصور الواضح في الأعمال التي تخرج من تحت أيديهم والتي قد تكلف الدولة الكثير. كما أن هناك ثقافات سلبية باتت تفرزها هذه الإدارات الفاشلة تتداول، وتتناقل بين الموظفين على شكل نصائح سمعتها بنفسي من موظفة قديمة لموظفة حديثة توصيها بأن تصنع لنفسها سمعة (موظفة لا تعمل ) تمنع الإدارة من استغلالها حيث يتم التركيز على الموظف الذي يعمل، واغراقه بالمهمات، ورفض الإجازات، والاستئذانات وحتى إيقاف الترقيات حتى يستمر في المكان، بينما يعفى من ذلك كله موظف في ذات المكتب استطاع أن يصنع لنفسه هذه السمعة. طبعا هناك الكثير من الإفرازات السلبية لهذا القصور الإداري التي تعوق التنمية، والتطور، ومحاربة الفساد، وترشيد الاستهلاك لا يسعنا ذكرها، وما نريد التركيز عليه في هذه المقالة التذكير بمراجعة هذه المشكلة، ودراستها على مستوى الدولة، دراسة أسباب وجودها، واستمرارها، ونتائج الجهود المبذولة لحلها. كذلك التركيز على مناهج الإدارة في الجامعات أن تكون أكثر عملية، بجانب دورات فاعلة للإداريين مهما قدم منصبهم لتحديث المعلومات، والخبرات المتعلقة بذلك. والأهم استحداث جهة رقابية، أو جهة متابعة تعتمد استراتيجية واضحة لتقييم فعالية خطط الإصلاح، وتحقيقها الأهداف المرجوة. بعدها يكون الحساب شديداً لكل من يؤصل للفساد في بلادنا.

بقلم : مها محمد

مها محمد