كتاب وأراء

مرحبا بالقهوة

اخيرا سقطت المشروبات الغازية من عرشها التقليدي بعد ان غزا بها الأميركيون أمعاء السوفيات سابقا، وبدأت القهوة في احتلال ما كان لتلك المشروبات من مكانة لدى بلاد العم سام، حيث تحدثنا احدث الاحصاءات في هذا الصدد ان معدل احتساء القهوة بين الأميركيين يصل لأعلى مستوى له في ست سنوات، غير ان هذه الاحصاءات الصماء عن هذا الاقبال الأميركي المستجد على القهوة والعزوف عن المشروبات الغازية وانسالها المختلفة، لم يعقبه تحليل للاسباب وقراءة في هذه الظاهرة لتوضيح عواملها وقابليتها لمزيد من الصعود والانتشار، وتوضيح ان كان الأميركيون وحدهم هم الذين صاروا يرتشفون القهوة اكثر من تجرعهم المشروبات الغازية، ام ان هناك شعوبا اخرى في العالم حذت حذوهم، وصارت تقبل على القهوة ويعزفون عن المشروبات والمياه الغازية عموما، فلو ان الصينيين والهنود اصبحوا كما الأميركيين في عشقهم المستجد للقهوة، لاصبح البن هو بترول القرن الواحد والعشرين!
جهابذة علمي الاجتماع والنفس لا يجب ان يمرروا هذه الاحصائية التي تداولتها وسائط الاعلام الأميركية وغير الأميركية دون تحليل وقراءة، فربما ان الارقام التي تحدثنا عن ان معدل استهلاك القهوة منزليا فاق نظيره خارج المنزل إذ بلغ الأول 79 بالمائة مقارنة بنحو 36 بالمائة من المشاركين الذين قالوا إنهم تناولوا القهوة خارج بيوتهم، هي ارقام محشوة بالظواهر والمعاني، التي منها مثلا ان النظام الاسري يواجه ازمة، لان الذين يشربون القهوة خارج منازلهم هم الاكثر، وربما ايضا ينبغي ان يبحث خبراء التغذية عن وريث للمشروبات الغازية، لتصدره أميركا، إلى عالم اكتشف ان هذا المشروب الاخير يفقد عرشه.
وفي واقع الامر انه قليلة هي الشعوب التي لها قهوتها الخاصة بها، فتوجد القهوة العربية والتركية والفرنسية والأميركية والاثيوبية واليمنية والايطالية «اللاتيه» و«الدبيو»، اما بقية شعوب العالم فترتشف قهوة تنسب لغيرها، غير انه ليس من المستبعد ان نجد كل من الصينيين أو اليابانيين، أو غيرهما، يخترعان قهوتهما.
ورغم ان معظم الشعوب العربية تشرب الشاي اكثر من احتسائها للقهوة، الا ان محلات تقديم هذه المشروبات تسمى: «مقاهي» أو باللفظ المتفرنج: «كافياهات»، ولا تسمى اسما مستنبطا من الشاي الذي تستهلكه بغزارة، ما يعني ان القهوة «ملكة» المشاريب، وان الشاي مجرد زوج في بلاط هذه الملكة.
لم اكن من المقبلين على ارتشاف القهوة في عمر الشباب، ولكني اصبحت مؤخرا من عشاقها، ولا يطيب لي الصباح الا مع فنجان قهوة وعدد محدود من الصحف في جلسة بمقهى بلدي متواضع، مما دعاني لمساءلة نفسي عن اسباب هذا العشق المتأخر للقهوة، فليست القهوة مشروب الشيبان، بدليل ملاحظتي لشباب كثر يطلبون فناجين القهوة، ولكن ربما لانني استعين بالقهوة بما تمنحه من تقوية للذاكرة، والمساعدة على التركيز، أو هكذا مزح معي صديق سألته التفسير بحسن نية، ولكنه اراد ان يذكرني بثقل السنين رغم انني اكثر من شبابه شبابا.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي