كتاب وأراء

المجـــال العـــام بين غرام وانتقام

البيت الذي تسكنه خاص بك.. أما الشارع الذي يقع فيه فمجال عام تستطيع أن تمر منه وتسير فيه، لكنه ليس في النهاية لك.. السيارة التي تقودها قد تكون ملكك الخاص.. لكن الطرق التي تجري عليها تمثل مجالاً عاماً لا تملك أن تفرض قواعدها بمفردك.. المقعد الذي تجلس عليه في مسرح أو سينما لساعتين أو أكثر مخصص لاستعمالك، لكنك لا تستطيع أن تستعمله على كيفك أو أن تأخذه معك وأنت تغادر قاعة العرض، لأنه سلعة جماعية وجزء من المجال العام، قد تستعمله لفترة لكنك لا تملكه..
هذه مجرد أمثلة على المجال العام. وأمثلته عديدة كالأسواق التجارية والميادين ومحطات القطار وأفنية المدارس وقاعات الدراسة والشواطئ وحافلات الأوتوبيس.. بعضها يعتبر مجالاً عاماً ضيقاً بمعنى أنه مسموح لفئة أو جماعة بعينها.. من ذلك مثلاً نوادي ذوي الاحتياجات الخاصة أو مدارس البنات.. فالأخيرة مجال عام لكنه قاصر على الطالبات فقط. وبرغم ذلك لا تملك واحدة منهن حق التصرف فيه كما يحلو لها وإنما وفق لقواعد محددة.. أما بعض الأمثلة الأخرى فتشمل المجال العام العريض المتاح للجميع والذي لا يحق للسلطات العامة أن تمنع أحداً من الوصول إليه إلا لضرورات قصوى تتحدد بتوافق مجتمعي واسع وتفرض لفترة محددة وفق ضوابط صارمة. من ذلك الطرق العامة والمطارات والأسواق والأهم منها جميعاً السياسة. فالسياسة هي أهم أشكال المجال العام، وأكثرها صعوبة في التنظيم. إنها أوسع مجال عام يُغرم به الناس ويفتتنون.. وفيه أيضاً يثأر الناس من بعضهم وينتقمون.. وما بين الغرام والانتقام كثيراً ما تفقد السياسة صفتها كمجال عام.
السياسة مجال عام، لأن لكل فرد الحق في أن يكون له رأي فيها.. أن يتكلم في أمورها.. أن يشكّل أو ينضم إلى حزب سياسي تكون له شرعية العمل وحق المنافسة على السلطة.. أن يصدر صحيفة تناقش قضايا الوطن والعالم.. أن ينظم ندوات ومسيرات تتبنى موقفاً أو ترفع مطلباً.. أن يترشح للمناصب العامة وأن يحتمي بالقواعد العامة.. أن يؤسس وينتمي إلى جمعيات ذات منفعة عامة.. لكن السياسة حتى في الديمقراطيات ليست دائماً هكذا.. فيها دائماً من يحب أن يخنق المجال العام ويحتكره.
وفي منطقتنا بشكل خاص، وبرغم تاريخ السياسة الطويل فيها، إلا أنها عجزت عن حل معضلة الغرام بالمجال العام والانتقام منه.. ثورات الربيع العربي الأخيرة مثلاً كانت من أجل فتح المجال العام وبينت مدى الغرام بدخوله.. ثم بعد أن بدأ من دخله ينتقمون فيه من بعضهم عاد لينغلق.. وغير صحيح أن الدولة العميقة أغلقته بمفردها، وإنما ساهم المجتمع العميق في ذلك وهو أخطر على المجال العام من الدولة العميقة.. فالدولة العميقة تصرفت بما اعتادت عليه لعقود.. أما المجتمع فلا يريد أن يعترف أنه جانٍ وليس مجنياً عليه.. خذ على سبيل المثال القوى الاجتماعية والاتجاهات الفكرية التي طلت عقب ثورات الربيع العربي.. فبدلاً من أن تفهم معنى المجال العام، وأنه للجميع، راحت تزيح وتنتقم من بعضها وتتحالف مع قوى تقليدية معروف أنها تكره الثورة ما سهل عودة عقارب الساعة إلى الوراء بل وإعادة الزمن السياسي العربي كله إلى نقطة أبعد بكثير عما كان عليها قبل 2011.
هذا التناقض بين الغرام بدخول المجال السياسي العام والانتقام فيه من الآخرين يكشف عن تفكير يحتاج إلى تهذيب شديد وإلا فتضييق المجال السياسي العام قد يبدو على عيوبه أفضل من فتحه بدون ضوابط أو فهم عميق لمعنى المجال العام.. فما قيمة فتحه لشهر أو اثنين إذا كان سينتهي بالفوضى أو بإحلال تيار مغتصب جديد مكان تيار مغتصب قديم.. لماذا يستبدل الناس من بعد ثورة ضحوا فيها هيمنة فئة على المجال العام بهيمنة فئة أخرى. فهيمنة الفئة القديمة باتت برغم مساوئها وعيوبها تجري وفق قواعد معروفة وطريقة تعامل واضحة.. ولا يعني هذا تأييد إبقاء المجال العام مغلقاً أو تشجيع احتكار العمل السياسي.. هذا ليس ممكناً لأن السياسة مهما حاول البعض خنقها تبقى في صلب الاهتمام العام، ولا يمكن أن تحقق أهدافها أو تؤدي وظائفها ما لم تفتح أبوابها للجميع.
الأمر كله مرتبط بوضع مجموعتين من القواعد الصارمة.. الأولى قواعد تُبقى المجال العام مفتوحاً حتى لا يتذرع من اعتادوا لعقود على خنقه بالظروف والأحوال والمخاطر ليعيدوا خنقه من جديد.. والثانية قواعد لا تقل صرامة تفرض على من يدخل السياسة أن يحترم المجال العام وأن يفهم كيف يعمل.. قواعد تُجرم العنف اللفظي والجسدي وتشويه المختلفين وتمنع التحشيد الأيديولوجي والعاطفي وحمل السلاح ونبذ الأقليات والافتراء على السمعة.. قواعد تجعل المجال العام محمي بالتوازن بين غرام الناس بدخوله وجرأة البعض على استعماله منصة للتضييق والانتقام.
بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات