كتاب وأراء

درس الدم في يوم الأرض

كنت أتمنى أن تسمح المساحة بنشر صورة تلك السيدة الفلسطينية، التي تحتضن جذع شجرة يابسة، وتتعلق بها تعلق الوليد بالأم، والأم بالوليد.. تلك صورة من التي توصف بصدق بأنها تساوي ألف كلمة.
لم تكن تلك هي الصورة الوحيدة في يوم الأرض، الذي يحييه الفلسطينيون في الثلاثين من مارس من كل عام بيوم الأرض، للتعبير عن تمسّكهم بأرضهم وهويتهم الوطنيّة، بعد أن صادرت السلطات الإسرائيلية آلاف الدونمات من الأراضي السكنية الفلسطينيّة فقد كان الدم هو الصورة الأبلغ والأوضح.
حتى كتابة هذه السطور، كان عشرة شهداء قد ارتقوا، والآلاف قد جرحوا، في مسيرة العودة، التي اختير لها هذا العام قرية عتليت جنوب مدينة حيفا، وكانت قد بدأت عام 1998 بمسيرة العودة إلى قرية الغابسية شرق عكا، ليروي الشهداء والمصابون أرضهم الغالية بدمائهم الزكية.
رغم قساوته وألمه فالدم دوما أصدق أنباءً من المؤتمرات الإنشائية، والمؤامرات السرية، واللقاءات الحميمية، والارتماء في الأحضان الإسرائيلية.
رغم لهيبه ووجعه، فالدم دوما أصدق أنباءً، من تلك الهرتلات، التي يطلقها المتخاذلون لتبرير تخاذلهم، متهمين الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، بأنهم تخلوا عن أرضهم.
رغم النزيف ومرارته، فالدم أصدق أنباءً، من الصفقات، أيا كان وصفها، وأيا كان المتواطئون لتمريرها، فللأرض أصحاب لهم الكلمة الأولى والأخيرة بشأنها، وفي كل مرة، يؤكد أصحاب الأرض أنهم مستعدون للتضحية بدمائهم من أجلها، وأنهم مستمسكون بكل ذرة منها، ملتصقون بترابها، محتضنون لشجرها وإن كان يابسا. وهو أيضا أصدق أنباءً، من أية جلسات سرية للتنازل، تعقد على الأرض أو في عرض البحر.
الدم أيضا بكل تأكيد، أصدق أنباءً من ادعاء الإنسانية، التي يطلقها أولئك الذين ينتفضون لحقوق الحيوان، ولا يحركون ساكنا، حيال ذلك الدم الغزير الذي ينزف برصاص قوات احتلال غير شرعي لقتل أصحاب الأرض وملاكها.
في كل مناسبة يصر الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، على تلقين الجميع درسا جديدا، بأن الأوطان لا تباع. ليس عبر كلمات جوفاء أو شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما عبر أنصع صور الدروس وأصدقها.. إنها دروس النضال بالدم، الذي لا يمكن ولا يجوز لأحد أن يشكك في صدقه.. وأيضا في قدرته على قلب المعادلات.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى