كتاب وأراء

أفندينا

دعيت يوماً لتناول العشاء بأحد المطاعم الأوروبية المميزة، وكان الطعام رائعاً، إلا أن الحصص المقدمة كانت كالعينات، جداً صغيرة، لكن أكثر ما لفت نظري في هذا المكان الفاخر هو دخول رجل مهيب للمطعم، كانت هيئته تنبؤك بأنك أمام شخص عظيم ذي حيثية أو من سلالة ملكية.
صدقاً، كان أشبه بالخديوي توفيق، أو على أقل تقدير يشعرك أنك أمام أحد أكابر السوبرانو العالميين.
ولفت نظري أيضاً حرص اغلب رواد المطعم على التقاط صور تذكارية مع أفندينا ذي البشرة البيضاء المشرئبة بحمرة والمتناغمة مع مشيب شعره المفضض؛ فتوقعت أن يكون ذا قرابة لأمراء موناكو.
تقصيت عن صاحب السعادة، فأخبروني أنه طباخ المطعم وكانت صدمتي عظيمة!
وما زاد الطين بلة أنني أخبرت أن هذا الطباخ يعيش عيشة الأكابرية، فهو يقتني بيتاً أقرب للسرايا ويختاً فخيماً ويحصل على راتب أفخم وأفخم.
تعلمت عملياً من هذه التجربة أن ليس كل ما يلمع ذهباً.. وأن ليس كل مهيب أفندينا.
ثم حدث أن سافرت يوماً إلى مدينة جرش الأردنية وحين أردت العودة للعاصمة عمّان، اتجهت لمحطة تجمع سيارات أجرة (سرفيس) لأركب مع باقي المسافرين في سيارة تقلنا للعاصمة؛ حيث لم يكن هناك سيارات أجرة خاصة.
كان السائق غليظاً، فظاً، سميناً وقبيح المحيا كماً وعالي الصوت.. وحين جلست بالمقعد الخلفي، أمرني بلهجة حاسمة بالانتقال للجلوس بالمقعد الأمامي، فاستأت بشدة، ثم وجدت سائقين يقتربون من النافذة ويخبرونني أن بإمكانهم توصيلي للعاصمة، كما أنهم لن ينتظروا تجميع حشد من الركاب، فأوشكت على النزول من العربة، حين لمحهم السائق السمين، الفظ، الذي نهرهم وهشهم كما الذباب.. فشعرت ويكأن مؤامرة تحاك ضدي من هذا الغليظ.
وقبيل نزولي من العربة استوقفني بعض الركاب وأخبروني أن السائق الغليظ هو في حقيقة الأمر شخص معروف بدماثة الخلق في المدينة الصغيرة، وأنه ارتأى نقلي للجلوس بالمقعد الأمامي، لكي لا يتم حشري بين الرجال في الخلف، مؤكدين أنه عادة ما يجلس راكبين بالمقعد الأمامي بجانب السائق لتحصيل أجرتين.. لكنه اكتفى بشخص واحد وبأجرة واحدة حفاظا عليّ، وحذروني من الشباب الذين عرضوا توصيلي كونهم لا يمتلكون سيارات أجرة من الأساس، بل هم شباب معروفون بسوء الخلق في المدينة؛ لذا، نهرهم السائق لخبرته عن سوابقهم وعلمه بسوء نواياهم وخبث سريرتهم.
مرة أخرى تبين لي أنه أكم من أشياء قيمة وإن كانت فاقدة للبريق، كما الأنتيكات أقيم وأغلى من لمعة السراب الخادع أو الذهب القشرة.
وأكم من سمين قبيح، أثمن وأفضل من شاب وضاء، إلا أنه خبيث، أشر..
وأكم من إبليس يستتر بسترة قسيس.
وأكم من ذئب تمظهر بمظاهر الحمل.
فأكثر الناس تنخدع بالمظهر لصعوبة استبصارها للمخبر.
وإن كان المثل يقول: «من تحسبه موسى يطلع فرعون» إلا أنه أحياناً «من تحسبه فرعون يطلع موسى». ومن تراه أفندينا يكون في حقيقته مجرد طباخ.
كاتبة مصرية
EMAIL: DALIA.ELHADIDI@HOTMAIL.COM

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي