كتاب وأراء

الوطن أولا

لم تكن الدولة العربية دولة مواطنة، لكنها كانت دولة أمن، لم تكن الدولة العربية ديمقراطية، لكنها كانت دولة استقرار، لم تكن الدولة العربية دولة شرعية، لكنها كانت دولة هوية عربية. اليوم الأمن مهدد، الاستقرار مضروب، الهوية ضائعة، قتل الوطن كمشروع وتفريغه من معناه هو قتل للمعنى قبل أن يتحقق، كنا نعيش على المعنى على أمل ان يصبح حقيقة، كانت الدولة العربية تمتلك حق القتل والاعدام والعنف، وهذا في حد ذاته وظيفة كبرى ومهمة غالية، أصبح اليوم القتل وظيفة فردية، والإعدام حكما شخصيا، والعنف مطلبا ومهمة لكل مجموعة وطائفة. قامت الدولة العربية بوظيفة ديكورية، ولم ندرك أهمية ذلك ولا الحاجة إليه إلا بعد أن كشفت الرؤوس وبانت الأنياب وأصبح تصوير جز الرؤوس سلاما وطنيا بديلا عن نشيد الدولة الديكورية. كيف بعد كل هذه العقود من التنمية وبناء الجامعات والكليات، يتخرج طلاب الدولة العربية بهذه الخبرة القتالية التي تتجه إلى الذات لا إلى العدو الحقيقي، كيف بعد كل هذه العقود من الشعارات والمؤتمرات والاتحادات الإقليمية، يتحول الصراع مع العدو الإسرائيلي إلى صراع بين الدولة ومكوناتها؟ ورغم كل هذا وذاك، يجب أن نعي أن هدم الدولة هو بداية الإرهاب المخيف لأنها الحاجز الذي يمكن أن يقام عليه العدل، وجودها يعني إمكانية وجوده، من المفترض أن يحافظ الجميع على بقاء الدولة العربية اليوم بكل علاتها وأمراضها، فوظيفتها العمومية لا يمكن أن يحتلها أحد اليوم، والحال كما يبدو ويظهر يعود بنا إلى عصر الكائنات التي تبحث عن هويات أخروية ناجية دون غيرها. المناداة بتطبيق الشريعة أيضا يحتاج إلى دولة، ليس هناك مشروع مجتمعي بلا دولة، وليست هناك دولة بلا حدود، وليست هناك دولة تختار مواطنيها وتصطفيهم إصطفاء، وإلا تحولت إلى جنة أو نار، الجنة والنار ليستا دولتين، هما دارا إقامة لعقائد في الصدور لم يطلع عليهما سوى الله عز وجل، لذلك جعل الحكم مؤجلا وبيده دون غيره من الخلق الفاني. الله لا يحتاج منا إلى دولة، القتل والنحر الذي نشاهده والانتهاك الصارخ لحرمة الاوطان والعبث بالأمن وسقوط القيادات في أتون المزايدات والرهانات الخارجية وأطماع العظمة المتخيلة لدى بعض المتهورين من القادة سيصل في نهايته إلى قتل الدولة العربية القائمه اليوم بكل أمراضها ومشاكلها فبذلك سيتحول التأخر إلى قطيعة تامة مع العصر، وسنتحول جميعا إلى كائنات نتقاتل باسم الدين، وسنبكي جميعا ماضيا كان مشرقا نسبة إلى ما سنعايشه في مستقبل ليس ببعيد، وقد بدأت نذره بالظهور يوم لا تنفع النذر.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر