كتاب وأراء

عندما يتحول اليسار إلى «حكواتي»

فصائل اليسار الفلسطيني تتواجد تاريخياً في التجمعات الفلسطينية في سوريا، التي كانت المنبع الأساسي لعموم كادراتها في الشتات الفلسطيني على مدار العقود الماضيةِ من عمر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وقد غابت نسبياً تلك الفصائل وكادراتها، وبتفاوتٍ ملحوظ من فصيلٍ يساري لفصيلٍ يساري آخر عن القيام بدورها المنشود بين أبناء الشعب الفلسطيني في ظل المحنةِ السوريةِ، حيث فلسطينيو سوريا داخل كرتها المُلتهبة، وإن برز دور الجبهة الشعبية كحالٍ أفضل من غيرها، بل وذهبت الأمور أكثر من ذلك من خلال الهجرة الواسعة لغالبية كوادر تلك الفصائل اليسارية إلى خارج البلد، نحو الغرب الأوروبي واستراليا ونيوزلندا وغيرها.
هذا حال مُعظم قوى اليسار الفلسطيني في سوريا، التي تحوّلت إلى تجمعات، يَلعَب مُعظم كادراتها دور الــ «حكواتي» على الطريقة الشعبية الدمشقية. فقد فشلت قوى اليسار الفلسطيني وعلى مدار سنواتٍ طويلةٍ في توحيد جهودها، وفي أن تَصنَع لنفسها قطباً سياسياً وتنظيمياً موحداً في المعادلةِ الفلسطينيةِ، وهو فشل مُتوقع له أن يستمر مادامت تلك القوى تُكابر على نفسها ولم تتعلم من دروسها، ومادامت الفئوية والعصبيات التنظيمية الضيقة هي المسيطرة على تفكير مرجعياتها القيادية، وخصوصاً منها المرجعيات التاريخية التي تَحمِل كيدَ الماضي.
فصائل اليسار الفلسطيني لَعِبَت أدواراً هامة في محطاتٍ ومفاصل وإنعطافاتٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ هامة، سياسياً وعسكرياً، لكنها في الوقت نفسه تشاجرت، بل وتقاتلت مع بعضها البعض في محطاتٍ عديدةٍ دون أدنى مُبرر منطقي، ولم تصل في النهاية لتوحيد مواقفها بالرغم من إعلان بعضها البعض عن قيامِ تشكيلاتٍ اتحاديةٍ لم تلبث أن انهارت بعد فترةٍ قصيرةٍ من قيامها، ومنها على سبيل المثال القيادة المشتركة للجبهتين الشعبية والديمقراطية عام 1984، والتي لم تُعمّر أكثر من عام واحد. كذلك القيادة الموحدة للجبهتين عام 1990 والتي انتهت بعد شهور من إعلان قيامها. ومنها أيضاً الإطار المعروف باسم جبهة اليسار (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حزب الشعب الفلسطيني، الجبهة الديمقراطية) الذي نشأ قبل عدة سنوات في الداخل والشتات، لكنه مازال يراوح مكانه.
حال القوى اليسارية الفلسطينية اليوم، حال منقسم على ذاته، فمنها قوى عينها شاخصة على ما تريد أن تجنيه من امتيازات حتى ولو كانت محدودة من المخصصات والكشوف الشهرية وحصتها من الكعكة من صندوق منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية، والتي باتت هي الهم الأساسي. ومنها القوى التي تدور في فلكٍ آخر دون أن تقوم بخطوات ملموسة لتطوير دورها في العمل الفلسطيني السياسي والتنظيمي. إن الفلسطينيين في سوريا بحاجة ماسة الآن، لدورٍ ناضج وعملي من قبل كل القوى الفلسطينية، ومن بينها قوى اليسار، وليس بحاجة لمواقف تنظيرية أو مواقف إعلامية لفظية (حكواتية) أومواقف تبريرية عبر بياناتٍ ممهورةٍ بهذا الختم أو ذاك. فاللاجئون الفلسطينيون في سوريا بحاجة لدور ملموس من قبل عموم فصائله وقواه السياسية، وبحاجة لتكاتف الجهود الفلسطينية من أجل مساعدته على كل المستويات.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان