كتاب وأراء

المفاهيمية في الفن.. أين تقف؟

انتشرت منذ فترة قريبة صورة ساخرة يظهر فيها تجمع للعديد من مشاهدي وزوار متحف فني، وهم يتابعون بشغف وحيرة نظارة طبية موضوعة على الأرض لصق الجدار، مما يوهم أنها موضوع فني، وأنها وضعت هناك بشكل مقصود على أنها عمل فني تصوري أو مفاهيمي، أو تركيبي، أو اختر ما شئت من غابة الأسماء الفخمة التي تطلق على هذا النوع السائل وغير المحدد من الفن، بينما كل ما في الأمر أنه تصرف قام به مراهق من أجل الإيهام والتسلية والسخرية من هذا الشكل الفني التجميعي، أو ما يطلق عليه عمل النية الفنية.
إن النتيجة النهائية في هذه الأعمال التصورية، كما يقول منظروها، غير مهمة قدر الطريق أو التصور وهو الحصيلة النهائية لها، وهنا يطلق سؤال عريض عن الحدود التي يتوقف عندها أي عمل فني في أن يصبح كذلك.
يشير الناقد الفني هشام قنديل إلى مخاوفه من أن إطلاق العنان للفنون التصورية المفاهيمية، دون فهم حقيقي لأبعادها المعرفية والفلسفية، سوف يؤدي إلى استسهال العملية الفنية برمتها، ويقود في النهاية إلى أعمال تثير الضحك والسخرية أكثر من أن تثير ملكة التأمل والإعجاب. ضع أي شكل تجميعي، كيفما اتفق، ثم اشرح نيتك الفنية لاحقا. ولأن هذا النوع من الفن تشكيلي يرتبط ارتباط وجود مع خارجه، أي أنه محمي تقريبا من النقد الموجه للطريقة والعمل، إذ أنه يجب العودة دائما إلى نية الفنان وتصوره، مرتبط مع المفهوم والتصور، وفي غياب هذا الجزء منه يصبح دون معنى، لا يمكن والحال كذلك أن تظهر اعتراضا على تصور فني، لا يمكن لك انتقاد قطع من الخردة المجمعة كيفما اتفق، أو غرفة ممتلئة بالرمل، وهذا ما يجعله أحيانا مثيرا للسخرية، مثل أن تضع نظارة طبية على الأرض.. هذا المراهق لم يكن غبيا، هو يعرف ما يقوم به، وعرف أنه سيقود الزائرين إلى هذه الحيرة، إذ دائما ما يكون هناك هذا الجزء الغائب الذي يعتمد عليه الفنان التصوري، جزء الفكرة أو النية وراء هذا العمل التجميعي، وعليك أنت كمتابع أن تجدها وأن تتحلى بالصبر والصمت أيضا. ولو استعرضنا بعض هذه الأعمال الفنية المفاهيمية لفنانين عرب وأجانب نجد أن هناك ما يفوق بمراحل هذا المشهد الساخر، مثلا؛ عمل فني عبارة عن تجميع عدد من المكانس الكهربائية للفنان جيف كونز، والذي بالمناسبة يعتبر من أبرز الأسماء في هذا المجال، غير أن هذا لم يمنع نقادا من أمثال روبرت هيوز من توجيه نقد لاذع له، حيث وصفه بأنه: «فنان منحط لم يساعده نقص مخيلته».. كذلك وصف الناقد مايكل كميلمان أعمال جيف بأنها «مصطنعة ورخيصة وساخرة دون خجل».. غير أن مثل ها النقد اللاذع والصريح لا يوجه لفنانينا المحليين الذين اختاروا هذا الشكل الفني وأفرطوا في استسهاله «فنانة سعودية أقامت ثمانية معارض شخصية خلال ثلاث سنوات».. هذا الصمت النقدي أمام هذه الموجة الفنية يعيدنا إلى السؤال من البداية: أين يتوقف الفن في كونه كذلك؟
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد