كتاب وأراء

مذيعة ألمانية وبيت ومقبرة

مواطن درجة ثالثة،
نخب غلبان أول،
يعيش ببيت في منطقة عشوائية.
نافذة بيته اليمنى تطل على مقبرة مهجورة، لا ترى فيها إلا الزواحف.
نافذة بيته اليسرى تطل على مكب نفايات، سيارات النفايات تزأر على رأسه برحلتي المساء والصباح.
باب الدار يطل على حفرة التصريف الصحي للحي «الميت» الذي يسكن فيه.
الكهرباء من كثر اليأس منها أصبحت محرمة.
عنده زوجة لا علاقة لها بالأنوثة من قريب أو بعيد، فالفقر والعمل ومطارحة الشقاء جعلتها بمائة رجل فعلا وقولا وإحساسا..
الماء لا يلامس جسدها إلا في العيد.
والعطر... تقطّر منه كلما تذكرته، فهي زجاجة مرمية في الشنطة منذ يوم زواجها الأول.
أكلهم واحد.. صنف واحد لكن الطبخ يختلف...
بيض بماء، أو بيض بزيت، أو بيض مع عجين..
في كل صباح، وحينما تتنفس الشمس مشرقها من جهة المقبرة، يسمع الجيران غناءه لفريد الأطرش، وبدل العود يعزف على ظهر السرير..
«الحياة حلوة بس نفهمهـا
الحياة غنوة ما احلى انغامها
ارقصوا وغنوا وانسوا همومها
دي الحيــــــاة حلـــــوة
الحياة وردة للي يرعــاهـا
والحياة مرّة وحــــدة نحياهــا
فوزوا بمتاعها وانسوا أوجاعها ليـــه نضيعها دي الحياة حلوة»..
أما في المساء فلا يسمع الجيران إلا قهقهاته مع زوجته كأنها قهقهات سكران في ليلة رأس السنة...
وصل خبره إلى قناة ناشونال جيوغرافيك، فأرسلوا مذيعتهم الألمانية...
كانت تضع مزيل روائح من سان لوران وعطر كوكو شانيل الرشة منه بمائة دولار..
ما إن فتحت باب السيارة حتى زال المزيل وتبخر الشانيل...
دخلت عليه بعد أن قدمت له هدية...
ظرف فيه ثلاثمائة دولار...
تجولت في المكان وعجنت ما عندها من معلومات بما شاهدت من واقع، ثم خبزت سؤالا واحدا فقط كله حيرة....
كيف أنت تعيش كل هذه السعادة رغم كل هذا الشقاء؟!!
أعطني مبررا واحدا مقنعا، أكاد أجن!!
ضحك كعادته..
ثم سعل في وجهها حتى كادت أن تصرخ في وجهه، ثم قال جملتين وانصرف عنها:
قولوا للأغنياء.. أحيانا الفقر نعمة.

بقلم : بن سيف

بن سيف