كتاب وأراء

قمة القرن .. مغامرة .. مسرحية .. أم شراء للوقت ؟

بمجرد الإعلان عن احتمال عقد لقاء قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الكوري الشمالي «كيم جونغ أون» فرح الكثيرون وتنفسوا الصعداء ولكأنما أزمة كوريا الشمالية مع نفسها ومع المجتمع الدولي قد حـُلت.
وبطبيعة الحال، ليس هناك عاقل لا يريد أن يخيم السلام على العالم بصفة عامة وعلى شبه الجزيرة الكورية وجوارها بصفة خاصة، غير أن العقدة أكبر من أن تجد حلا بمجرد الحديث عن لقاء قمة بين دولتين ترسخ العداء بينهما على مدى عقود من الزمن، دعك عما بينهما من خلافات أيديولوجية وتوجهات سياسية متناقضة حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
إن من شروط أي حوار لحلحلة أي مشكلة بناء الثقة بين الأطراف المنخرطة في ذلك الحوار وتهيئة المناخ الصحي لاستمراره دون انتكاسه، ناهيك عن وضع أجندة واضحة للمحادثات. وكل هذه العوامل والاشتراطات غير متوافرة حتى اللحظة، كي لا نقول إنها من قبيل الأماني.
فقادة بيونغ يانغ من المُحال أن يرضخوا لما تطلبه منهم إدارة ترامب حول تصفية ترسانتهم النووية والباليستية كشرط لرفع العقوبات عن بلادهم وتأهيلها كعضو صالح في المجتمع الدولي وإعطاء الضوء الأخضر لسيئول كي تبادر لانتشالها من واقعها المرير، لأن من شأن رضوخهم تعريتهم وسحب الورقة التي لطالما لوحوا بها لابتزاز المجتمع الدولي. أما واشنطن فلن تقبل بأقل من ذلك الشرط كي لا تبدو، وهي القوة العالمية العظمى الوحيدة، وكأنها تفاوضت مع نظام ديكتاتوري دون أن تقبض ثمنا يوازي قبولها بفكرة التفاوض.
من وجهة نظري الشخصية فإن ما يتردد في وسائل الإعلام حول قبول «كيم جونغ أون» بالجلوس على طاولة واحدة مع الأميركيين، وإيفاده شخصيات من نظامه إلى دول غربية محايدة مثل السويد وفنلندا تحت يافطة التشاور حول القمة المقترحة، التي وصفت بقمة القرن، ليسا سوى خدعة أو محاولة لشراء الوقت.
وتخبرنا التجارب السابقة بأنه من المحال تأهيل نظام مثل النظام القائم في بيونغ يانغ الذي خـُلق ليُحدث القلاقل والأزمات ويقتات عليها، وإلا فإنه أتيحت له في الماضي أكثر من فرصة ذهبية ليعيش في سلام ويهتم بأموره الداخلية ويحقق لشعبه المظلوم حياة كريمة بعيدة عن المماحكات. من تلك الفرص ما حدث في فترة إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون الذي تحمس لإطلاق مبادرة دبلوماسية فريدة تجاه كوريا الشمالية في حقبة زعيمها السابق «كيم جونغ إيل» فأرسل وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت إلى بيونغ يانغ عام 2000 في سابقة كانت الأولى منذ انتهاء الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
نعم.. ذهبت أولبرايت إلى بيونغ يانغ وهي متفائلة وحالمة بنجاح دبلوماسي يمهد الطريق لإخراج الدولة الستالينية من عزلتها المريرة وكف شرورها عن بلدها وعن حلفاء الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية واليابان، لكنها عادت خالية الوفاض، بل عادت وهي متشائمة ومحبطة مما سمعته من مضيفيها ومن الطريقة المهينة التي عوملت بها.
ولنفترض هنا أن القمة المرتقبة قد عـُقدت، فمن يضمن ألا يحدث مع ترامب ما حدث مع أولبرايت، علما أن زعيم بيونغ يانغ آنذاك كان أقل حماقة من ابنه؟ وبكلام آخر، أليس من المحتمل على ضوء التجارب السابقة أن يتصرف كيم الصغير، المنتشي بقوته الصاروخية، مع نظيره الأميركي المعتد بنفسه ومكانة بلاده، تصرفا لا يليق أو يقع خارج المتعارف عليه دبلوماسيا وبروتوكوليا؟ فتتكهرب الأجواء وينفض اللقاء سريعا، وتلقي كل جهة مسؤولية ما حدث على الجهة الأخرى، ليعود ترامب إلى عاصمته ويقرر معاقبة الزعيم الكوري الشمالي وبلده وشعبه معاقبة صارمة أقلها إعلان الحرب التي عـُقد اللقاء أصلا من أجل تجنبها.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني