كتاب وأراء

زوجتي الكئيبة

- أفهم أن يعجز طفل أن يُقدر نعمة ما أسدله الله عليه من لباس بشرة ناعمة وشعر صفر المشيب، لكن ودي أن ينتبه أصحاب الثلاثين، الأربعين وحتى الخمسين لبقايا تلك الكنوز والنعم قبيل الولوج للتسعين وتمني شعرة سوداء أو نعمة راحلة.
-أفهم ان يشتكي طفل جاهل من حرارة آب (أغسطس) وزمهرير الكوانين، لكن ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم فيرضون بما قسمه الله من أرزاق الشتاء ونعم الصيف؟
- متى ينظر الإنسان إلى حاله، أرزاقه، اوضاعه، مقدراته وراتبه فيرضى ثم لا يقارن وضعه بسواه.. تمامًا كما يرضى صغير بمصروفه الذي أعطاه له والده؟
-قد نتغاضى عن عروس تشتكي غربتها أو كربتها مع زوجها، لكن كيف لمن تنسى أن بيتها لم يدخله حرام بل لم تذق مالًا بشبهة ولم يقترف زوجها الزنا ولا الخنا ولا مارس ميسرًا ولا تلطخت يده بسفك دم ثم أن اولادها منعمين بالصحة وبيتها مؤمن بمؤن وخزين يغني عن العوز والدين ثم لا تصبر على مشاكل يومية وجودها يدرأ العين والصبر عليها يرضي الرحمن.
ودي لو ندرك ان شتان بين طريقة محاسبتنا على اقتراف أخطاء ما قبل الاربعين اذا ما قورنت بنفس الاخطاء لما بعد سن الأشد بعد ان تخفت وتضعف دواعي أثر شهوات السيطرة والهيمنة والتمكين وحب الامتياز.
وفي هذا الصدد، اذكر حضوري لتجمع نسوي كان بينهن سيدة اخترقت الثمانين على أنها كانت تتمتع بكامل عافيتها اللهم إلا بعض متاعب العمر، وأثناء الجلسة استنصحها جمع من النساء عن طرق التغلب على مصاعب الحياة الزوجية، فإذا بالمرأة تقول: يا بناتي والله ما تكبروا الموضوع، الزواج أول عن آخر ما هو سوى أكلة وغفوة، لو أرحت زوجك في هاتين فالباقي يهون.
هكذا ببساطة لخصت العجوز الحكيمة اسلوب حياة هادئة «أكلة وغفوة والبعد عن الماديات».
ولو اعترفنا أن النظرية بتلك السهولة لكن يجب ألا نغفل عن ان الشيطان في التطبيق.
الشيطان في دروس طالعناها صغارا بالمدرسة «:أبي يعمل، أمي تكنس وتطبخ».
ولما كبرنا، وجدنا أمهاتنا تعمل لكن مازالت تكنس وتطبخ فتشعر السيدة بهوان لكفاحها في جبهتين دونما تقدير.
الشيطان يجتهد في الذاكرة، فيمحو من عقل ووجدان الزوجة أن شريكها لا يعمل فقط في ديوانه خارج البيت، بل يشتري الطلبات ويقف في الطوابير ومع السباك والكهربائي والنقاش والميكانيكي ويدفع الفواتير ويجدد الرخص ويدفع المخالفات ويقضي مشاوير الجوازات والمرور ويتحمل تكاليف المستشفيات والدواء بخلاف تكاليف النزهات والواجبات الاجتماعية جلها أو نصفها بخلاف ملابس العيد وكل مصروفات الدراسة والأساسيات؟
لما ننسى انهم يمولون بنسبة تفوق 75% من احتياجات الأسرة؟
الشيطان ضليع في غرس بذور الشقاق في براري المتاعب حتى يضرب بفأسه ضربة قاسمة في وجدان الشريكين تدفعهما للتساؤل من يبذل أكثر ويشعر كلاهما انه مغموط في حقه.
ومعلوم ان شياطين الإنس امهر من اخوانهم الجن في خراب البيوت ورحم الله جدتي فلطالما ضايقت أمي وخالاتي بكلماتها: «الزوج زبون.. دائما على حق».
والأحق أن عمار البيوت وكفالة حياة آمنة للاسرة احق من التدافع بالمظالم، فالحساب يوم الحساب و«لسوف يعطيك ربك فترضى».

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي