كتاب وأراء

الباحث والصحفي

ما الذي يفعله الباحث في ضيافة الصحافة؟ يعلق أو يوضح أو يدقق أو يفسر خبرا.
يحتاج الخبر إلى إضاءة وإلى شرح لجوانبه الغامضة لدى الجمهور الواسع، فيحتاج الصحفي للخبير والمحلل.
لكن اللقاء بين الباحث والصحفي، يبقى ملتبسا بين زمنين: زمن الباحث ومسافته اتجاه الوقائع، وشكوكه المنهجية وحذره الأصلي من السقوط في الجاهز من المعرفة العامة المسطحة والأفكار التبسيطية، في مواجهة زمن الصحفي المبني على السرعة والإثارة والرغبة في الصناعة الخفيفة لحقيقة في مستوى انتظارات جماهير الأخبار الطازجة.
يميل الباحث إلى التردد، لكن عناوين الصفحة الأولى تحب الجمل الحاسمة والآراء القاطعة.
يخاطب الباحث جماعة علمية محدودة ومتخصصة، تمتلك ناصية الخلفيات النظرية للموضوع، وتعرف رموز وأسرار حقله العلمي، ومفاتيح لغته الخاصة، وتتحكم في شبكة مفاهيمه. لكن الصحفي يخاطب جمهورا واسعا وعليه ان يوصل خبره إلى «القارئ المتوسط»، المحدود في مدركاته المعرفية واللغوية، وغير المتخصص.
طبيعة الجمهور المستهدف، شرط واقف يكيف الرسالة في بنائها وصياغتها وحجمها، لذلك كان كتاب الصحف العربية في بداية القرن الماضي هم كبار مثقفي الأمة وشعرائها، على صورة قرائها النخبويين محدودي العدد، لكن تعميم التعليم ودخول المجتمعات لعصر الجماهير الغفيرة،جعل اللغة الصحفية تكاد تختلط بالعامية في كثير من التجارب الإعلامية خاصة في الفضاء الرقمي.
قبل قرن كان قارئ الجريدة الورقية، بالضرورة منتميا إلى صفوة المجتمع ونخبته المميزة. اليوم، فإن محرر الخبر في الموقع الالكتروني، يراهن على كل حامل لهاتف ذكي كقارئ مفترض لمادته الاعلامية.
«الخبر» السريع الذي يكتب على عجل في لحظة وقوعه، والذي لن يعيش سوى لحظات عابرة داخل زحمة من العناوين والأخبار والمعلومات والأسماء والصور والعلامات، التي لا تملك سوى حياة قصيرة من ثوان معدودات، لتترك المكان لأخبار اكثر طراوة، تنهمر على القارئ كشلال كثيف من المعلومات، لا يملك في الأخير الفرصة لكي يفرز بينها الحقيقة من الكذب، والوقائع من الأوهام.
كل هذا وهو مطمئن إلى أنه مواطن عالمي من زمن التواصل والطرق السيارة للمعلومات.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق