كتاب وأراء

حتى لا نخترق .. .

برغم الانتكاسات الإنسانية للبشر في العصر الحديث، إلا أن علوم التربية الإنسانية ودراسة الشخصية كبقية العلوم تقدمت بشكل كبير، حتى ليقال إنها سبرت أغوار النفس البشرية، ووضعت ما يشبه الخريطة واضحة المعالم لها، وفي حين كان الإنسان في العصور الماضية يركز على نظرية العقاب كأساس للتربية، تصدرت نظرية الحوار، وتفهم حاجة الطفل، واحترام ذاته نظريات التربية في العلوم الإنسانية المتقدمة اليوم. وإن كانت هذه النظرية مما جاء به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وقام بتطبيقها وتعليمها نظريا، وعمليا لكنها ضاعت في عصور الجهالة والتخلف لاحقا.
ما دعاني لكتابة هذا المقال هو قضية تربوية أصبحت شائكة ومتزايدة وهي ظاهرة الطلاب الذين يعانون من الاضطرابات السلوكية بمختلف أسبابها.
وحيث إن المدارس، والأكاديميات العلمية غالبا ما تكون ساحة لهذا الصراع المتنامي من قبل جيل يحمل كل نوازع التمرد ومشجعاته، ساهمت الكثير من العوامل في تكوينها بدءا من التربية الخاطئة القاصرة، حيث لا تربية سلوكية، ولا فكرية، ولا لغوية حتى، وحيث تغيب العاطفة الحقيقية المستمرة التي تمنح الأمان، والاستقرار للنفس البشرية، وحيث يظل ابن هذا الجيل مع الوفرة المادية، باحثاً عن ذاته.. باحثاً عن السكينة والاستقرار والحب من حوله.
وحيث إننا نعمل في مجال التطور التنموي والفكري الجاد، تتصدر نظرية العقاب والقمع الرأي في علاج الظواهر السلوكية الخاطئة والمزعجة في المؤسسات التعليمية كونها حلولا سريعة، دون الانتباه لكونها تعالج أعراض المشكلة وتترك جذورها حيث تتنامى مرة أخرى.. وكما الطب الحديث الذي يخدم مافيات الأدوية.. يعالج الأعراض ويترك السبب الحقيقي للمرض.
الأخطر من ذلك أن هذا الأمر قد يتحول من عملية تقويم وإصلاح إلى عملية انتقام وفرض مبدأ القوة دون النظر إلى أن هؤلاء الأفراد الطلاب هم من عناصر هذا المجتمع وهذا الوطن، وأن ممارسة العلاج القمعي لهم دون بحث أسباب هذه الاضطرابات السلوكية والنفسية والاهتمام بعلاجها يخلق شخصيات أشد تمردا وغضبا ورفضا للمجتمع أو يخلق شخصيات ضعيفة غير مجدية تمثل عبئا على المجتمع والأوطان وهنا يكمن الخطر، حيث إن هذه الشخصيات غالباً ما تفتقد البوصلة السليمة. لذلك أود التنبيه إلى أن علاج ظاهرة كهذه يكون بدراستها واحتوائها عن طريق خطة متكاملة توضع وتنفذ بإشراف مختصين سلوكيين تعينهم الوزارة المعنية بذلك في المؤسسات التعليمية، وبإشراك الأهالي حيث يعد ذلك من مسؤولياتهم مع المتابعة طويلة الأمد، وتدريب العاملين في سلك التعليم على سبل التعامل الصحيح مع هذه الظواهر واحترام الاختلافات والنوازع البشرية للطالب والمتعلم.
بقلم : مها محمد

مها محمد