كتاب وأراء

الفتنة والقانون والمواطنة

كلما وقعت فتنة، بين المسلمين والاقباط في مصر، اتذكر خلافا نحويا بين صديقين حول اعراب كلمة «نائمة» في الحديث الضعيف «الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها».
فأحد الصديقين، قال إنها خبر لمبتدأ، مشددا على ان «النوم» أو السكون، ملازم للفتنة. بينما اصر الثاني، على اعتبارها حالا، و( دوام الحال من المحال). شخصيا اميل إلى رأي الصديق الثاني، فالفتنة في بلادنا بشكل عام، متيقظة دوما، وان غفت فبعين مغمضة واخرى مفتوحة، بانتظار من يهمس لها، لتهب فازعة مفزعة.
تلك الفتنة متيقظة دوما في ما يخص المسلمين والاقباط في مصر، لكن ما يجب تثبيته، انها دوما لا تتعلق بالعقيدة، وإنما عادات وتقاليد وثقافة مجتمعية. فواقعة محافظة المنيا، المشينة والمخزية، والتي قام فيها، حسب ما هو متداول، مجموعة من الغوغاء بتجريد مسنة مسيحية، من ملابسها،، كانت ردا على «شائعات» عن علاقة لنجلها بسيدة مسلمة.
كل عبارات الادانة، تستحقها تلك الواقعة، ايا كان سببها، وايا كانت دوافعها، فلاذنب للام في ما اقترف نجلها (اكرر ان ثبتت عليه التهمة)، وحتى هو شخصيا، فان حسابه يكون بالقانون لا بالهمجية.
تفاصيل الحادث تضيق عن المساحة عن الغوص فيها، غير انها تستدعي عددا من الملاحظات..
أولى الملاحظات، ان الحدث لا علاقة له بالعقيدة، شأن اكثر من 90 بالمائة مما يسمى بالفتنة الطائفية، فنحن امام جريمة جنائية.. ان شئت فسمها جريمة شرف، حسب مفهوم «الشرف» بتلك القرى والمدن بصعيد مصر، أو بعموم البلاد، مع الاعتراف بالخصوصية الصعيدية.
ومن ثم – وهي الملاحظة الثانية -، فلست ارى مبررا «لاسلمة» الازمة، أو بالاحرى الخلاف، ولا هذه الاصوات المتصاعدة التي وصلت إلى مطالبة الازهر الشريف بالاعتذار، وكأن الازهر مسؤول عما يقترفه أي مسلم من جريمة جنائية، تستوجب توقيفه امنيا ومعاقبته جنائيا، وهي نفس الاجراءات التي يجب ان تتبع مع المواطن المسيحي، اذا ارتكب جريمة أو خطأ، دون ان يتحمل الازهر أو الكنيسة، أي تبعات للمسألة من أي نوع. اذ المفترض انه لا مسؤولية مادية لأي من المؤسستين على سلوك وتصرفات المواطنين، مسلمين ومسيحيين.
ما سبق يقودنا إلى الملاحظة الثالثة والاهم في هذا الموضوع، اذ من المدهش، ان تصدر البيانات والمطالبات بحقوق المواطنة المعتدى عليها، من الكنيسة. فاول بيان عن واقعة «التجريد من الملابس» صدر بعد وقوع الحادث بنحو اسبوع، عن مطرانية المنيا، ثم تتابعت البيانات بسرعة مذهلة، وصولا إلى بيان البابا، الذي يعلن فيه متابعته عن كثب للقضية، ورفضه لما جرى للمواطنة.
وهو ما يستدعي سؤالا مهما عن الدولة ومؤسساتها، والقانون وسيادته، والمواطنة ومساواتها. وسؤالا اهم عن الفصل بين ما هو ديني، وما هو غير ذلك، سياسيا كان أو جنائيا كما هو الحال في هذه الواقعة المخزية.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى