كتاب وأراء

فوز اليمين يغرق إيطاليا في أزمة حكم !

لم يشكل فوز اليمين المحافظ والعنصري في الانتخابات الإيطالية مفاجأة حقيقية للمراقبين ولا حتى للإيطاليين أنفسهم. المفاجأة الوحيدة ربما هي تسجيله أرقاماً غير مسبوقة في تاريخه السياسي وصلت إلى نسبة 35 % لتحالف أحزاب اليمين الثلاثة «رابطة الشمال» العنصرية و«إيطاليا إلى الأمام» التي يتزعمها رئيس الحكومة الأسبق سيلفيو بيرلوسكوني و«اخوة ايطاليا» التي تقودها امرأه يشدها حنين إلى اليمين الفاشي الإيطالي. فيما حظيت «حركة الخمس نجوم» الشعبوية بـ32 % وأصبحت الحزب الأول. أما «الحزب الديمقراطي» الذي يمثل يسار الوسط ويتزعم الحكومة فقد مني بهزيمة نكراء وهبط إلى ما دون الـ20 %، ما دفع أمينه العام ماتيو رانسي إلى إعلان استقالته اعترافا بالهزيمة.
الملاحظة الأولى اللافتة هي تصدر «حركة الخمس نجوم» الناشئة المشهد السياسي بمفردها رغم حداثة عمرها الذي لم يبلغ بعد السنوات العشر، محققة قفزة تخطت الـ10% من أصوات الناخبين. وهي حركة اعتراض ركبت موجة النقمة الشعبية المتفشية ضد الطبقة السياسية. والملاحظة الثانية هي حصول «رابطة الشمال» العنصرية المتطرفة والمعادية للأجانب على 17 % متخطية لأول مرة تيار بيرلوسكوني الذي تراجع إلى 14 % أقل نسبة له منذ نشأته، فيما لم تحصل «اخوة إيطاليا» على أكثر من 4 %. وبقي بيرلوسكوني شخصياً خارج البرلمان لأول مرة منذ 24 سنة لأنه منع من الترشح بقرار من المحاكم الإيطالية والأوروبية لارتكاباته المالية.
أما الملاحظة الثالثة، فهي انه رغم انتصار اليمين فإن إيطاليا تخرج مشلولة بين يسار مهزوم ومشرذم، ويمين لا يتمتع بالأكثرية كي يحكم رغم تحقيقه هذه النسب المرتفعة. فقد نص قانون الانتخاب الجديد على ضرورة أن يحصل أي حزب على نسبة 40 % لكي ينال الأكثرية التي تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. فالصراع على زعامة اليمين على أشده بين «الرابطة» وبيرلوسكوني الذي يرفض ان يترأس زعيمها احتمال تشكيل اليمين الحكومة. كذلك، ليس بإمكان «حركة الخمس النجوم» أن تشكل حكومة بمفردها رغم كونها أصبحت الحزب الأول، ولكن بإمكانها أن تشكل أكثرية مع يسار الوسط إذا شاءت. وهو أمر غير متاح لليمين المحافظ والعنصري بسبب رفض «الحزب الديمقراطي». وأول شرط لـ«الخمس النجوم» الحصول على رئاستي البرلمان ومجلس الشيوخ معا قبل البحث في أي تفاهم حول صيغة الحكومة الجديدة.
تعثر الاقتصاد وتفشي الفساد والفشل في إدارة الدولة ومؤسساتها، وبلوغ معدل البطالة العام 11 % فيما يصل إلى 35 % في صفوف الشباب... كل ذلك دفع بحالة الاعتراض على الطبقة السياسية إلى ذروتها، ودفع شريحة عريضة من ناخبي اليسار للتصويت إلى «الخمس نجوم». وكان حصان المعركة الانتخابية لـ«الخمس نجوم» هو وعد الناخبين بـ«راتب مواطنة» شهري لكل من بلغ عمراً متقدماً ولا يعمل أو خسر عمله. وهذا مكنها من تحقيق قفزة نوعية تفوق الـ10 % رغم عمرها القصير نسبياً. أما بيرلوسكوني فهو لم يعد جذاباً للإيطاليين بعد أن أصبح كهلاً تجاوز الثمانين (1936) وهزت صورته الفضائح الجنسية والتهرب من دفع الضرائب.
وإذا كان اليمين رغم تناقضاته الكثيرة قد تمكن من نسج تحالف انتخابي بين مكوناته، فإن اليسار في المقابل واجه خلافات حادة أدت إلى انشقاق داخل صفوف «الحزب الديمقراطي» وإلى تشكيل مولود جديد أطلق عليه اسم «أحرار ومتساوون». غير أن نشوء هذا الكيان اليساري الجديد قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات البرلمانية لم يساعده على إحداث خرق حقيقي في أول اختبار، فلم يتمكن من الحصول على أكثر من 4 % من الأصوات. ولكن هذه النسبة مكنته من تخطي عتبة 3 % المطلوبة لكي يتمكن من دخول البرلمان. هل هي عدوى اليمين الشعبوي الذي يلفح أوروبا؟ إن ما يلوح في الأفق هو أزمة حكومية طويلة على رئيس البلاد استنباط المخارج لها، تتراوح بين حكومة أقلية يمكن إسقاطها عند أول منعطف، أو حكومة وحدة وطنية شبه مستحيلة، أو حكومة تكنوقراط مهمتها وضع قانون انتخابي جديد والعودة إلى صناديق الاقتراع.

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان