كتاب وأراء

عالم الطهي

من أصعب ما واجهت خلال سنوات طوال من الاغتراب والعيش بمفردي، هو جهلي المطبق بطهي أي نوع من الوجبات البيتية المعروفة، ولهذا كنت زبونا دائما لعدد من المطاعم، ولم يخطر بالبال، ان أتمرد على جهلي بالطهي، بان اتعلم جديدا من وصفات شهية، فلا اعلم غير سلق البيض، ثم تحميره في السمن البلدي، هذا بخلاف اعتمادي على الحليب والموز والفول السوداني والشوكولاتة، وهو ما دعا احد الاصدقاء إلى المزاح معي بقوله: لا يأكل ما تأكله إلا القرود!!
غير انه من اغرب ما سمعت ان عددا ليس قليلا من الشباب في هذه الايام يخطط لان يكون طاهيا ماهرا ومشهورا، والخطوة تبدأ بطبيعة الحال بتعلم الطهي والتتلمذ عند اشهر الشيفات والطباخين، إذ يبدو ان حرج كثيرين من الرجال من دخولهم المطبخ قد تبدد تماما، ولم تعد مهنة الطاهي أو الطباخ مهنة غير مرموقة، بل صارت مهنة تدر على اصحابها دخولا كبيرة، بل وصار لهؤلاء الطهاة برامج تليفزيونية في فضائيات عربية شتى تقبل عليها ربات البيوت اللواتي لم ينسين ان الطريق إلى قلب الرجل يمر بمعدته، بعدما تبين ان الامية في الطهي تفضي إلى خسائر باهظة مادية، وأخرى عاطفية، وحينما تجبرني الظروف على الجلوس أمام برنامج تليفزيوني للطهي لأن زوجتي تشاهده، وتكتب الوصفات على عجل دون ان تنفذ تاليا إحداها، فانني لا افكر فيما اشاهده، ولكني أتخيل الحظ الاسود لزوجة هذا الشيف أو ذاك، وهو يطبخ بمهارة فائقة طبيخا وحلوى خلال البرنامج، وأقول في نفسي، هل يرضى هذا الشيف الماهر بطهي زوجته، الا تشعر هذه الزوجة المسكينة برهبة حينما تقدم له طعاما من صنع يديها، فتخشى ان يقول لها: ما هذا الهراء الذي صنعته، ويفند لها طبيخها مظهرا لها عيوبه، خاصة ان كثيرا من بنات وسيدات هذه الايام استقلن من مملكتهن الأولى: المطبخ، بعدما أخذتهن منها الوظائف والادوار الاخرى، ومع ذلك احترم جدا سيدات عربا من المشاهير يتحدثن في برامج تليفزيونية عن ان هوايتهن الأولى هي الطهي، وانهن يحرصن على طهي وتقديم الطعام بأنفسهن لازواجهن.
وقد تبينت ان عددا ليس قليلا من مشاهير الطباخين الذين نشاهد لهم برامج تليفزيونية، لا يكتفون بعملهم هذا، ولكنهم يستثمرون اموالهم في مطاعم شهيرة جدا يعملون فيها ويطبخون وجباتها، ويرتادها مشاهير مثلهم ايضا، واسعار الوجبات فيها من نار.
الطهي، اذاً، صار مهنة محترمة جدا ومربحة، ولهذا لم يتحرج الرئيس الروسي بوتين من ذكره مؤخرا ان جده كان طباخا في قصر الزعيم الروسي الراحل ستالين، فلم يضع في حسبانه مثلا ان منافسه على الدوام، الرئيس الأميركي ترامب، يفخر بانه رجل سليل عائلة ثرية جدا، وانه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وان أباه أو جده لم يعرفا المطبخ أبدا.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي