كتاب وأراء

إشارات «الحرب الباردة»

بوادر حربٍ باردةٍ جديدةٍ تتسع، وبريطانيا لا تبتعد عن واشنطن، بل تنسجمُ معها في القضايا السياسية المُتعلقة بالتباينات الدولية بين مختلف الأقطاب الرئيسيةِ في العالم، وفي مقدمتها المسائل المُتعلقةِ بتَجَدُدِّ الصراع الروسي الأميركي، واتساع الهوة بين واشنطن وموسكو تجاه مُختلف القضايا.
بريطانيا، تَدخُل الآن على خط التسخين في الحربِ الباردةِ الجديدةِ، و«أول الرقص حنجلة»، على حد تعبير المَثَل الشعبي الفلسطيني، حيث معركة تعقيد المشاركة البريطانية في نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها روسيا، إلى معركة الطرد المُباشر والمتبادل للدبلوماسيين بين كلاً من موسكو ولندن، وكل ذلك تحت عنوان قضية تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سيرجي سكريبال من قبل المخابرات الروسية (الكي جي بي) وفق ماتُرددّهُ حكوم تيريزا ماي... ولكن وراء الأكمة ما وراءها... الرياضة وكرة القدم، وصولاً لقضية الجاسوس المزدوج سيرجي سكريبال، تدخلان ميدان الصراع بين لندن وموسكو، وهو ما يُذكِرَنا بمراحل معينة من الحرب الباردة السابقة بين موسكو وواشنطن، حين استخدم الطرفان كل ما لديهما من أدوات ووسائل في مسار الصراع بينهما، من تجارة القمح إلى الألعاب الأولمبية في موسكو صيف العام 1980، إلى قرقعة السلاح، والصواريخ البالستية.. وصولاً لحرب النجوم.
هنا، لسنا بحاجة لتأكيد أو نفي التورط الروسي بتسميم الجاسوس المزدوج سيرجي سكريبال بغاز الأعصاب، فالمسألة قد لا تكون مثبتَةٍ بشكلٍ قاطع، وقد تكون صحيحة مائة بالمائة، حيث «لا تأنف بل تألف» موسكو وغيرها من الإقدام على خطوات تصفية جواسيس مزدوجين عند الانتهاء منهم.
إذاً، نحن الآن، أمام مشهدٍ مُستجد على الساحةِ الدوليةِ، حيث تَسير لندن على خُطا الخروج من مجموعة الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وتلتحق للتموضع شبه التام في الخندق الأميركي، متجاوزة سعي مجموعة الاتحاد الأوروبي للتمايز عن الموقف الأميركي، وفي هذا السياق تأتي لغة التسخين العالية من لندن تجاه موسكو، فيما تُصَعِّد الأخيرةِ من خطواتها السياسية، وترفع من وتيرة صوتها بتزايدٍ ملحوظ، بل ووصلت بها الأمور لاستعراض القوة وبشكلٍ فاقع خلال مؤتمر الرئيس فلاديمير بوتين في قاعة العرض المركزية (مانيج) وسط موسكو يوم الأول من مارس 2018 الجاري، وإطلاقه صيحات الوعيد التي قال فيها «إن أي استخدام للسلاح النووي ضد روسيا أو حلفائها سيلقى رداً فورياً». ومقابل وعيد موسكو، وتصريحات الرئيس الروسي بوتين النارية، كانت واشنطن قد أفصحت وعبر وثيقةٍ سياسيةٍ ورد فيها أن «الصين وروسيا تتحديان قوة أميركا ونفوذها ومصالحها، وتسعيان إلى تقويض الأمن والازدهار الأميركيَين، كما تريدان صوغ عالم يمثل نقيض قيم أميركا ومصالحها».
وأضافت الوثيقة «أن موسكو تحاول إضعاف النفوذ الأميركي في العالم وإثارة شقاق مع حلفائنا وشركائنا».
وعليه، بات اليقين سيد الموقف، فموسكو من جهة وواشنطن ولندن من جهة ثانية، في معترك حربٍ باردةٍ جديدةٍ، فيما تحاول مجموعة دول الاتحاد الأوروبي التمايز بمواقفها وإشتقاق سياسة دولية أقرب للتوازن، والبحث عن مصالحها، عبر الابتعاد قدر الإمكان عن التمحور القديم/الجديد.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان