كتاب وأراء

الخارجية الأميركية بين تيلرسون وبومبيو الأزمات القادمة

لخروج ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي من إدارة الرئيس ترامب دلالات كثيرة، لقد فقد ترامب الشخصية الوحيدة ضمن فريقه التي تؤمن بالدبلوماسية كوسيلة لحل الخلافات بين الدول، بل وفقد ترامب عبر تيلرسون أكثر الدبلوماسيين معرفة بمخاطر النزاعات والحروب في العالم.. وبالرغم من الانتقادات الموجهة لتيلرسون المرتبطة بأسلوب إدارته للخارجية الأميركية، إلا أنه تميز بحسه السياسي وفهمه لدور القوة الناعمة والإقناع..
لقد بدا ذلك واضحاً في سياسة تيلرسون تجاه جملة من القضايا كالاتفاق النووي مع إيران وحصار قطر والتعامل مع كوريا وضرورة بقاء الولايات المتحدة ضمن اتفاقية المناخ.. وقد حاول الرئيس ترامب في كل قضية من قضايا السياسة الخارجية إضعاف وزير خارجيته والحد من دبلوماسيته.
ومن جهة أخرى يمثل تعيين رئيس المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو كوزير للخارجية بداية مشكلة أكبر.. فبومبيو معروف بتطرف أطروحاته تجاه العرب والمسلمين، ومعروف عنه تشدده تجاه إيران عبر رفضه للاتفاق النووي معها، وينعكس ذلك على موقفه تجاه أوروبا التي لا تشاطر ترامب توجهاته.. سيكون بومبيو أقل دبلوماسية وأقل إيماناً بالقوة الناعمة الأميركية.. لكنه سيكون أكثر انسجاماً مع سياسات إدارة ترامب وتوجهاتها ذات الطابع التصعيدي.. وبينما كان تيلرسون ومعه وزير الدفاع جيمس ماتيس يمارسان بعضاً من الضغوط للحد من تهور سياسات ترامب، سيؤدي تعيين بومبيو لتحرير ترامب من الكثير من القيود.. بل يبدو بأن الولايات المتحدة في زمن التعددية القطبية لم تعد الولايات المتحدة، فهي من خلال ترامب وسياساته أكثر استعداداً من أي وقت مضى لفقدان المزيد من دورها العالمي ومكانتها.
ما لا تراه الإدارة الأميركية الراهنة أن التطرف في بعض المسائل سيؤدي لنتائج عكسية.. ففي السابق أدت ردة فعل بوش الابن على هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العراق لتقوية إيران، كما وأدت حرب أفغانستان لورطة أميركية مع الطالبان مازالت تتفاعل ليومنا هذا.. لهذا فإن إلغاء الاتفاق النووي مع إيران سوف يؤدي بطبيعة الحال لتوترات لا تعرف نتائجها ومساراتها.. وقد ينتهي كل هذا التصعيد بقيام الإدارة الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية لن تحقق أهدافها للمفاعلات النووية الإيرانية، مما قد دفع بإيران لتطوير البرنامج النووي لحده الأقصى.. وهذا قد يؤدي لنزاع أكبر في منطقة الشرق الأوسط.
بفضل ترامب وسياساته تشعر القوى الأميركية المتطرفة بأنها تعيش أفضل أيامها، وتشعر بنفس الوقت الديكتاتوريات في العالم وفي الشرق الأوسط بأن هذا هو زمنها.. في هذه المرحلة يوجد حصانة مرحلية للديكتاتورية التي تنتهك حقوق الإنسان.. فرئيسة المخابرات الأميركية الجديدة جينا هاسبل تأتي من تقاليد التعذيب في سجون سرية خارج الولايات المتحدة..
في المرحلة القادمة سترتفع وتيرة التطرف في سياسات البيت الأبيض، لكن وبنفس الوقت ستتعمق عزلة الولايات المتحدة في عالم يزداد اضطراباً وتناقضاً.. في المناطق التي تسود فيها الديكتاتوريات كما هو حال الشرق الأوسط ومناطق في آسيا وغيرها ستكون نتائج السياسة الأميركية أكثر وضوحاً، فالحدة تؤدي للحدة والعنف سيولد العنف، وانتهاكات حقوق الإنسان، الذي تغض الولايات المتحدة النظر عنها في هذه المرحلة، سترتد عكسياً مما سيزيد من النزاعات.. ستجد الولايات المتحدة أنها في الجانب الخطأ من التاريخ.. فمن طبائع الأمور أن الدول الكبرى بعد أن تستنفد طاقتها في حروب ونزاعات، وبعد أن تتراجع قدرتها على استخدام القوة الناعمة تخرج للمسرح أكثر ممثليها تطرفاً.. لقد تغير العالم، وهذا يعني عدم إمكانية تشكيله كما تقرر الولايات المتحدة.. فالعالم يشبه الولايات المتحدة للحد الذي يريد أن يكون ديمقراطياً، لكنه لا يشبهها في اعتمادها على لغة الإمبريالية والتوسع والصهيونية ودعم الديكتاتورية وانتهاك الحقوق.

بقلم : د. شفيق ناظم الغبرا

د. شفيق ناظم الغبرا