كتاب وأراء

متاهة الجنرال وعبرة الانفصال

- 1 -
قبل سنواتٍ كان المشهد على هذا النحو:
«القبلات» فوق الدبلوماسية، التي تعوَّدت أن تطبعها السيدة سوزان رايس- ممثلة الولايات المتحدة الأميركية بالأمم المتحدة سابقاً- على خدود قيادات دولة جنوب السودان؛ الرئيس سلفا كير، ونائبه رياك مشار؛ كانت تُغيظ حكومة الخرطوم، وترفع نسبة الأدرينالين في دماء دبلوماسيَّتها.
رايس كانت تبذل مجهوداً شاقاً، وهي تمطُّ قامتها القصيرة، أمام أصحاب القامات الأبنوسية الفارعة، لبلوغ خدودهم السمراء، وتدرك أن ما تفعله أمام كاميرات المُصوِّرين يتجاوز تعبيرات الود والتقدير، إلى أن يصبح رسائل- بالروج الأحمر- على بريد ساسة الخرطوم.
الخرطوم تستلم الرسائل، وتُوجد لها تبريراً: (سوزان تحمل أجندة شخصية ضد السودان، حيث تم تعميدها بواسطة كبيرات نساء قبيلة الدينكا الجنوبية، في حضور جون قرنق ابن القبيلة، فتم غسل قدميها باللبن، وقفزت فوق ثور أبيض ذبيح، وتعَّهدت بتبنِّي مواقف الحركة الشعبية، والدفاع عن الجنوب في وجه الشمال العربي المسلم، مادام فيها عرقٌ ينبض).

- 2 -

اليوم لم يجد رئيس دولة جنوب السودان، الجنرال سلفا كير ميارديت في محنته، قبلات رايس، بل وجد تجاهل حكومة دونالد ترامب وجفاءها.
لم يكن أمامه من خيار سوى، أن يتقدم باعتراف دامع أمام الجميع: شعبه والمجتمع الدولي والتاريخ.
قالها سلفا كير ميارديت أول أمس، بانكسار وألم: (لا يمكن عمل شيء لإنقاذ عُملتنا الوطنية).
سلفا كير قضى سنوات حكمه السبع العجاف في الحروب والصراعات، من أجل الحفاظ على المقعد الرئاسي المُهتز.
فعل كُلَّ شيءٍ حتى لا يُغادر مقعد السلطة، حاول أن يبني مجداً لنفسه وقبيلته من جماجم الأعداء والخصوم التقليديين.
أهدر ملايين الدولارات في المشاريع الخاسرة، وأنفق أموال البترول في صفقات السلاح، وهربت الدولارات في الحقائب السوداء إلى الخارج.
منظمة كفاية، التي يُديرها المُمثِّل الأميركي جورج كلوني، الصديق القديم لقادة الجنوب، نَشَرَتْ قبل فترة تقريراً يتَّهم الرئيس سلفا كير ميارديت وخصمه رياك مشار، وبعض قيادات الجيش، باختلاس الملايين من أموال الشعب.

- 3 -

حروبٌ وانقساماتٌ وصراعٌ وضحايا بالآلاف، تساقطَت الشعارات واستدارت البنادق 180 درجة إلى صدور الرِّفاق.
تلاشتْ ذكريات الكفاح المُشترك والصفِّ المُوحَّد والعدوِّ الواحد.
الثلجُ لم يَذُبْ بعدُ في كأس روجر ونتر وهيلدا جونسون رعاة الانفصال، والدِّماء لا تجفُّ أبداً على أرض الاستوائية، والمطر سيأتي بلونٍ مُختلف، وكُلُّ الوعود الجميلة ذهبت مع الرِّيح وفي صحبة السَّراب، ولم يمكثْ في الأرض سوى الدمار، وعلى رأسه ينعق طائر الشؤم.

- 4 -

هذا هو المصير حينما تُبنى الدول على أوهام القيادات، وأطماع القوى العالمية الكبرى.
حينما تتمُّ المتاجرة بالشعارات البراقة، حينما تكون السلطة عند القيادات هي المقدرة على هزيمة الآخرين وإخضاعهم بقوة السلاح.
جنوب السودان الدولة الخديج، وُلِدَتْ بوجعٍ اصطناعي، على يدَي قابلات المُجتمع الدولي هيلدا جونسن وسوزان رايس.
دولة لم يكن لها قابلية البقاء والاستقرار، فهكذا هي مشاريع الدول الغربية في تشجيع الحركات الانفصالية.
فهي عاجزةٌ عن قراءة الواقع، وفاشلةٌ في استشراف المستقبل.
كانوا يظنون أن دولة الجنوب ستنعم بأموال البترول، وبدعم المجتمع الدولي تحت مظلة ديمقراطية وستمنستر.
كانوا يظنون أن الجنوب سيقف حائلاً ومانعاً في وجه انتشار الإسلام والثقافة العربية في أعماق إفريقيا.
تلك كانت هي أمانيُّهم؛ ولكنَّ الواقع سخر منهم، فأصبحت دولة الجنوب أكبر مأساة إنسانية في إفريقيا.

-أخيراً-

هكذا مضى أمرُ الدولة الجديدة، وفي ذلك درسٌ لكُلِّ الذين يُحاولون أن يُقسِّموا أوطانهم، من أجل غبائن ومطامع نُخبويَّة وإغراءات دولية.
هذا درسٌ لكثيرٍ من المجموعات السكانية في إفريقيا وآسيا وأوروبا، الساعية للانقسام وإنشاء دولٍ جديدة.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال