كتاب وأراء

لا تـحـــايـد


موقف عدم الانحياز الإنساني أو ما يطلق عليه الموقف المحايد، الذي يتبناه البعض، يعد من أخس المواقف البشرية على الإطلاق.
لا تحايد، كون الحياد يسوغ للإنسان أن يشهد بعينيه على الظلم ويصمت ثم ينام قرير العين.
لا تحايد، فالمحايد ضليع في الجرم، يداه مغموستان في دم أخيه، كونه يؤسس للظالم ويرسخ للمفتري ويقوي موقفه بالتغاضي عن الافتراء والظلم؛ فالمحايد يزيد المفتري فرية ويزيد الضعيف ضعفًا– فقط- بصمته.
لا تحايد، فإن كان الله قد أقسم بنصرة المظلوم بغض النظر عن دينه، لذا، فكل من سكت عن الظلم وعن تجاوز الإنسان على أخيه الإنسان هو شريك يؤبلس للظلم ويتآمر مع الظالم.
لا تحايد بمهادنتك للظالم كي لا تعزز اجتراءه على الضعيف، فالمحايد يقوي الظالم ويضعف المظلوم، ويعزز ثقافة الظلم كونه يجعل المظلوم ينجو من ورطته أو كما يقال بالعامية: «يطلعه زي الشعرة من العجينة».
لا تحايد، فقد نفهم مقولة ديستويفسكي أنه «لا أيسر على فاعل الشر من الإنكار» كون الشرير ضليعاً في مصلحته، «فمبلوعة» أن يخدم نفسه، أما ذلك المحايد الذي لا ناقة له ولا جمل، ثم تراه يتآمر على المظلوم بإنكار شهادته فيدعس على المظلوم أملاً في احتمالية ألا يخسر الظالم! فذلك يؤكد أننا أمام كائن يمارس: «أنا ومن بعدي الطوفان».
لا تحايد، فالمحايد قد يبدو أرحم من الظالم، إلا أنه أخس منه، فالظالم عدو صريح، واضح غثه من سمينه، يحذرك لسانه كما تنبهك أفعاله لتتخذه عدواً، تتقيه ويتقيك. كالحليب الفاسد تحذرك رائحته الكريهة وينبهك لونه المتعفن ولزوجته المستقبحة من تناوله أو التعاطي معه، أما المحايد فشبيه بالحليب الطويل الأجل، مسرطن بمواد حافظة تحول دون ظهور عفنه، كما تمنع انتشار رائحته الفاسدة المنبهة لفساده، ما يجعلك تتناول السم دون تحذير.
لا تحايد، فالمحايد شخص محترف خداعًا لنفسه وللآخرين كونه يوهم الاثنين أنه أقل ضررًا وإيذاءً من الظالم.
كنصاب يرمي شباكه يوم الجمعة إن كان محظورًا عليه الصيد سبتًا، فيبدو ملتزمًا بفص النص المانع، فيما أنه متحايل بالتلاعب بروح القانون.
لا تحايد، فتكن كمن يعيشون بيننا، يجاورننا في بيوتنا، يزاملوننا في العمل، فتراهم يغضون الطرف عن قيام والدهم برمي أمهم في غياهب مصحة الأمراض العقلية، بل قد يبررون له فعلته ويختلقون له المعاذير ولا يعنيهم أن يتزوج أبوهم ما دامت زوجة أبيهم تُكبر أبناء زوجها ولو سحقت أمهم.
لا تحايد، فتكون شبيهًا برجل غض الطرف عمن اغتصب ابنته فيتستر على جريمته بمنحه صك الغفران والبراءة لو كان المغتصب ذا حيثية في المجتمع.. لا تحايد، فتقبل بالتطبيع معه، فتزوره، تجامله، تقبل هداياه.. هذه ليست هدايا، إنها ثمن ابنتك يا بؤرة العفن.
لا تحايد
ولو منحوك الهدايا
أترى لو أهدوك الماس
وسلبوك الشرف
هل تنتصر؟
تلك أشياء لا تغتفر.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي