كتاب وأراء

نحو استفادة عربية من دروس الأزمة الكورية

الانكفاء العربي على أزماته دون النظر لما يجري في بقية مناطق العالم من مستجدات خطأ جسيم بكل تأكيد، وذلك بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وتنوعت قدرات التأثير وصارت يسيرة المنال أمام الجميع. وعليه فإن ما جرى وسيجري بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية ليس بعيدا في تأثيره عن حاضر ومستقبل الأزمات العربية؛ لأن فيه من الدروس ما يتعين على صانع ومتخذ القرار العربي أن يستفيد منها.
حتى وقت قريب للغاية كانت أصداء المواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية تثير الفزع في المنطقة العربية أكثر مما تدفع إلى التأمل العميق لمسارها والاهتمام بتفاصيلها اليومية، وإذا بالمنطقة العربية تستيقظ صباح يوم ليس بالبعيد على نبأ لم تكن تتوقعه يقول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وافق على عقد قمة له مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون لبحث ما بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية من خلافات حادة حول امتلاك الأخيرة للسلاح النووي.
الدرس الأول المستخلص من التحول الدراماتيكي في موقف ترامب من هذه الأزمة هو أنه جريء للغاية في اتخاذ مواقف غير معتادة، ولا يهمه الفشل في الوصول إلى نتائج مهمة بناء على هذه الجرأة، بل إن الفشل في حد ذاته جزء من رؤيته بأن تبقى الأزمة التي ينخرط فيها مشتعلة!
عربيا، استنادا لهذا الدرس الأول يتعين التعامل مع ترامب في الملفات العربية الساخنة على أساس أنه بمكن أن يبدل مواقفه بين يوم وليلة، وإن أصر على موقف بعينه (كحالة نقل السفارة للقدس مثلا)، فإنه يريد بذلك تعقيد الوضع وزيادته تأزيماً بكل ما يرتبه ذلك من خسائر على الطرف العربي. هنا فإن الرفض والثبات على الموقف العربي الموحد الذي يحقق المصلحة العربية أولا، هو التصرف المطلوب. ولنا أن نتذكر تهديده بأنه سيقطع المساعدات عن الدول التي رفضت قراره بشأن القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يفعل.
الدرس الثاني أنه من الممكن الحديث عن حرب باردة جديدة تسود عالم اليوم بشكل ومضمون مختلفين عن الحرب القديمة، ولكن من الصعب الحديث عن وقوع حرب عالمية ثالثة ولا عن حرب نووية. من يروج لذلك هدفه فرض الاستسلام على الآخرين في الأزمات السياسية وقاية من هذه الحروب التي لا تزال افتراضية. أزماتنا العربية تعيش أجواء الحرب الباردة بين قوى كبرى عديدة، ولكن لا يجب الانصياع لما يتردد من توقعات بأن المنطقة مقبلة على التورط في حروب من هذا النوع. ما حدث بين واشنطن وبيونج يانج بالتحول من المواجهة إلى التفاوض يؤكد ذلك.
وأما الدرس الثالث فإنه يتعلق بالجهود التي بذلت من وراء الكواليس وقادت إلى تقدم الزعيم الكوري الشمالي بعرض عقد القمة، وقبول ترامب السريع له، وهنا فإن الصين لعبت دورا مهما لأنها خسرت كثيرا من العقوبات الأميركية على بيونج يانج، ولم تكن ترتاح لبرنامجها النووي لأنه يهدد الأمن في بحر الصين الجنوبي أو شبه الجزيرة الكورية. ولكن الدور الحاسم جاء من كوريا الجنوبية. وفي الفترة الأخيرة تقاربت الكوريتان بشكل أفضل من السابق. وتعلم سيئول أنها هي وطوكيو أكثر المتضررين من اندلاع حرب نووية أو حتى تقليدية في المنطقة إذا تأزمت العلاقات في هذا الاتجاه بين واشنطن وبيونج يانج، ولذلك كانت سيئول من أول المتحمسين لوقف المواجهة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.
المعنى من هذا الدرس الثالث أن الأطراف العربية كلما وسعت نطاق تحالفاتها مع قوى كبرى ولم تقصرها على الولايات المتحدة استطاعت أن تجد عونا خارجيا يمكنها من الاقتراب من حل أزماتها الراهنة بما فيها القضية الفلسطينية. لقد استخدمت كل من واشنطن وبيونج يانج هذه الآلية، أي الأطراف الإقليمية الدولية المؤثرة، فلا أقل أن تلجأ الأطراف العربية إلى نفس الآلية، والاستفادة مؤكدة استنادا إلى أحدث فصول الأزمة الكورية. هذه الدروس يتعين أن تكون تحت أنظار الدول العربية وتعمل على الاستفادة منها شرط توافر أقصى مستويات حسن النيات، والفرص ليست ببعيدة لمن يتعظ!

بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد