كتاب وأراء

بين جريمتين .. الإرهاب والكراهية

يفرض هذا السؤال ذاته في ضوء تصاعد العمليات التي تستهدف المسلمين لأنهم مسلمون؛ ومن أبرز هذه العمليات ما حدث في الولايات المتحدة وفي بريطانيا. ففي ثلاث حالات عدوانية كان المستهدَف فيها مصلين مسلمين لدى خروجهم أو لدى توجههم إلى المسجد.
توصف الجريمة التي يرتكبها مجرمون باسم الإسلام بأنها عمل إرهابي. والعمل الإرهابي حسب التعريف الذي حدده القانون البريطاني هو «كل اعتداء يهدف إلى التأثير على الدولة وسياستها، أو ترهيب الرأي العام بهدف تحقيق هدف سياسي أو ديني أو عنصري أو عقائدي».
ولأن العمل الإرهابي يكون بدافع شخصي، أو محلي، أو مجرد رد فعل، فإن ثمة جهة تدّعي أنها وراءه. مثل داعش أو القاعدة. وهذا الادعاء الذي غالباً ما لا يكون صحيحاً، يعطي بعداً سياسياً أو عقائدياً مما يضعه في إطار التوصيف القانوني للإرهاب.
وبموجب هذا التوصيف يتم التعامل مع الجريمة عسكرياً وسياسياً وقبل ذلك كله إعلامياً. أما الجريمة التي يرتكبها مجرمون ضد المسلمين فإنها توصف بأنها عمل كراهية ؛ وتوضع في إطار رد الفعل التخفيفي بالمقارنة بالجريمة الإرهابية.
ثم إن العمل الإجرامي الذي يستهدف مسلمين، لا تتبنّاه جهة سياسية أو تدّعي أنه تم بإيعاز منها. وبذلك تبقى مسؤولية ارتكابه مسؤولية شخصية محدودة بالمرتكب وحده أياً كانت دوافعه أو الجهات التي تقف وراءه. وهذا يعني تجريد هذا العمل الإجرامي من الأبعاد التي توجب تصنيفه بالإرهاب، فيقتصر التعامل معه على وصفه بالكراهية.
غير أن الواقع هو أن العمليات التي تستهدف المسلمين والتي تأخذ وتيرة تصاعدية في العديد من المجتمعات ليست نتيجة ردات فعل فردية على ما ارتكبته داعش بحق الأبرياء من مسلمين وغير مسلمين في الشرق الأوسط وفي أنحاء مختلفة من العالم. ذلك أن بعض هذه العمليات سابق حتى لجريمة 11 سبتمبر 2011، وبالتالي سابق لوجود القاعدة ومن بعدها داعش.
ففي مطلع الثمانينيات من القرن الماضي نشر جاك شاهين وهو أميركي من أصل لبناني كتاباً توثيقياً عن فن تشويه صورة العربي والمسلم في السينما الأميركية– هوليود-. واسم الكتاب «العربي القذرTHE UGLY ARAB». ويبين الكتاب كيف أن هوليود تتعمد تصوير العربي بأبشع الصور وتصفه بأبشع الصفات والنعوت: الكذب والاحتيال والسرقة والخيانة والانغماس في الجنس. وهذه الصورة البشعة تنغرس في الثقافة العامة، وتهيئ الأرضية لردات فعل كارهة للعرب والمسلمين.. ومن ثم لأعمال إرهابية تستهدفهم.
وفي عام 2013 صدر كتاب لعالِم الاجتماع الأميركي ناثان لين NATHAN LEAN عنوانه: «صناعة الإسلاموفوبيا THE ISLAMOPHOBIA INDUSTRY» تحدث فيه عن وجود فرق عمل من سياسيين ومثقفين وإعلاميين ورجال دين وعلماء اجتماع أميركيين، مهمتها «شيطنة الإسلام TO DEMONIZE ISLAM».
ولقد وجدت عملية الشيطنة في الجرائم التي ارتكبت باسم الإسلام زوراً وبهتاناً مادة خصبة للاستغلال؛ وكان طبيعياً أن يؤدي ذلك إلى التحريض على الأعمال الإرهابية التي استهدفت المسلمين، وخاصة لدى خروجهم من المساجد أو دخولهم إليها.. والتي استهدفت النساء المسلمات لمجرد استخدامهن حجاب الرأس المحتشم. ذلك أن العدوان لم يكن استهداف الشخص لذاته، بل استهداف «الرمز» أولاً وأخيراً.
من هنا فإن العدوان لم يكن مجرد عمل كراهية، بل هو عمل إرهابي يقع في إطار التعريف للإرهاب الذي نص عليه القانون البريطاني نفسه.
ومع ذلك جرى التعامل القانوني– والإعلامي- مع الجرائم التي استهدفت المسلمين على أنها أعمال عنف وكراهية. فالعمل العنفي هو العمل الذي يستهدف الضحية لذاتها وبشكل محدد، ولهدف شخصي محدد أيضاً. ويتحول عمل العنف إلى عمل إرهابي إذا كانت الضحية مجرد «صندوق بريد» لتوجيه رسالة عبره من أجل إرهاب جهة أخرى. والجهة الأخرى في العمليات التي استهدفت جموع المصلين المسلمين قرب مساجدهم، هي الإسلام، وجماعة المسلمين عامة، مما يؤكد مواصفات الإرهاب على تلك الجريمة.
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة ايرلندة لويس ريتشاردسون «إن الإرهاب يعني الاستهداف المتعمد للمدنيين وبعنف من أجل تحقيق أهداف سياسية».
وما حدث في بريطانيا والولايات المتحدة ضد رواد المساجد هناك كان استهدافاً متعمداً للمدنيين. وكان الهدف السياسي من ورائه واضحاً أيضاً، وهو الطعن بانتمائهم الوطني على خلفية دينية، وهو من أسوأ الأهداف السياسية.
من هنا ليس صحيحاً أن الجريمة التي ترتكب باسم الإسلام هي جريمة إرهابية.. وأن الجريمة التي يكون مسلمين ضحيتها هي جريمة كراهية.
وصدق الله العظيم عندما وصف جريمة قتل إنسان بريء، أيّ إنسان، على أنها جريمة ضد الإنسانية كأنما قتل الناس جميعاً.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك