كتاب وأراء

النفوذ والنفوذ المضاد في الخليج

لا تزال أصداء الحادثة الأهم في المنطقة العربية ككل، وليس في الخليج العربي فقط، تتردد وتتفاعل مع مختلف التسريبات والتحقيقات، التي تظهر كل يوم. لكن رغم تفاعلها، ورغم تشعب أطوارها، فإنها تعكس وجها من وجوه النفوذ والنفوذ المضاد بين أطراف الأزمة، التي اندلعت في فصلها الأخير، بسبب اختراق وكالة الأنباء القطرية. هذه الأزمة التي انطلقت نحو حصار قطر ومختلف التداعيات التي أعقبته تسمح بإبداء جملة من الاستنتاجات والفرضيات، في ضوء التطورات الأخيرة، وآخرها الكشف عن وثائق مؤامرة قلب نظام الحكم في قطر سنة 1996:
تتعلق الملاحظة الأولى بتاريخ انتقال السلطة في الخليج، حيث أن الوقائع الأخيرة أثبتت أن طبيعة انتقالها في المنطقة العربية، سواء في النظم الجمهورية العسكرية أو الوراثية، لا تخرج عن دائرة الصراع الإقليمي، وهو ما يجعل من محددات السلطة غير مقتصرة على أبعاد ومعطيات داخلية صرفة، بل تحددها خاصة معطيات خارجية، وذلك في كثير من الحالات. فما يحدث اليوم ليس أمرا طارئا أو جديدا، بل هو امتداد طبيعي لتفاعلات قديمة، متعلقة أساسا بطبيعة نظام الحكم في الخليج العربي.
تتمثل النقطة الثانية في حُمى الصراع على النفوذ بالمنطقة، وهي نقطة لا تقتصر على القوى الدولية الحاضرة، منذ قرون، بل تشمل أساسا القوى العربية القديمة والجديدة. فما يحدث لا يخفي من ناحية أولى رغبة السعودية في فرض رؤيتها وتصورها السياسي للمنطقة على كافة دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن حمى النفوذ الامبراطوري قد أصابت أيضا دولة الإمارات، التي تحاول بكل الوسائل غير المشروعة صناعة نفوذ كبير.
أما النقطة الثالثة فتتجلى في دور القوى الخارجية، خاصة القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة في تغذية هذا النفوذ، حيث تشجع أطرافا بعينها على المغامرة والتمدد، الذي لا يخرج في الحقيقة عن مشاريعها التمددية. إن الحضور الخارجي في أزمة الخليج ليس في الحقيقة إلا حضور مصالح واستراتيجيات مستقبلية، وهو ما ينسف كل الأطروحات والرؤى التي ترى أن هذه الدولة تنصر تلك المجموعة أو غيرها، على حساب الدولة أو الدول الأخرى.
آخر الملاحظات تخص مستقبل المنطقة ووحدة مصير شعوبها لأن خطورة هذه الأزمة، لا تظهر في الخسائر المادية أو الاقتصادية، بل تظهر أساسا في حجم الضرر الذي أصاب البنية الاجتماعية لشعب الخليج العربي. صحيح أن الروابط التي تجمع شعوب هذه المنطقة أقوى من أن تتأثر بالأزمات العابرة، لكنها أزمات إن تعاودت قد تبدأ في تهديد البناء الخليجي بشكل يصعب ترميمه.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد