كتاب وأراء

تاريخ مصر الذي لن يتكرر

في عام 1923 انطلقت معجزة أم كلثوم،
وفي الثلاثينيات انطلقت موهبة رامي الحقيقية، وقبله بقليل ملأ شعر شوقي الأسماع والأذواق.
وفي هذا الوسط كان الكاتب الملهم مصطفى صادق الرافعي، والصحفي علي أمين، وانطلق طه حسين، والزيات، وعبدالوهاب، والسنباطي، وعبدالحليم، والأطرش، ثم بليغ حمدي والقائمة طويلة.
لاحظ أن كل هؤلاء العباقرة فنا وشعرا وكتابة وصحافة تزاحموا تقريبا في ثلاثين سنة فقط.
يقولون أن حفلة أم كلثوم كانت تذاع كل ثلاثاء في الاذاعة حية، وإن لم يكن عندها بث حي تعاد تسجيلاتها.
كانت القاهرة تتحول إلى مدينة أشباح وقتها، فالجميع متسمر أمام المذياع.
لا أريد أن أسهب في سرد قصص إبداع هؤلاء المبدعين، لأن الغاية من المقال ليست هذه، ولكني أدلل على أنهم جاؤوا في حقبة زمنية واحدة، فملأوا الدنيا إبداعا، حتى صار الجمهور لا يدري هل يطرب لصوت أم كلثوم أم لعزف فريد أم لشجن عبدالحليم أم ألحان السنباطي أم كلمات بيرم أم يصفق لشعر شوقي أم يذوب في شعر رامي أم يعيش عبقريات العقاد..
ولدوا في فترة زمنية واحدة، ثم رحلوا معا فكأنما رفعوا من الأرض رفعا.
أو كأنها لعنة فرعونية حلت بمصر فلم تبق ولم تذر.
ينطبق عليهم قول ابي البقاء الرندي:
• أتى على الكلِّ أمرٌ لا مَرَدَّ له،
حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا.
حتى القاهرة أيامهم كانت تصنف على أنها أجمل مدن العالم.
الآن...
الفن ليس الفن، والموسيقى ليست الموسيقى، والشعر ليس الشعر، والإعلام ليس الإعلام...
وأبو الهول لم يعد أكثر من حجارة قديمة..
ماذا حدث؟
تطور الزمان لا يعني انتفاء المواهب واندثار الابداع، الإبداع في الناس يتجدد ما قذفت الظهور في البطون؟ نحمد الله أن تلك الروائع لم تمت مع أصحابها، فلا زالوا يعيشون معنا ونعيش معهم..
مازلنا إذا أحسسنا بالحنين إلى مصر الروعة والحضارة نستمع إلى أغنية.. أغدا ألقاك.

بقلم : بن سيف

بن سيف