كتاب وأراء

من دير ياسين إلى الغوطة : المجرم واحد

يصعب على الذاكرة العربية أن تتجاوز فكرة مؤلمة أن ثمة تاريخا من المجازر التي حدثت في بلاد العرب خلال المائة العام الماضي، فالمجزرة حدث أشبه بالكتاب الواحد الذي قد تتعدد فصوله وربما أجزاؤه، لكن مؤلفه في نهاية المطاف واحد. حين يتذكر العرب أنه على أنقاض جزء بشري من هذه الامة ظهرت إسرائيل، وهذه الأنقاض قضى منهم كثير عبر قتل جماعي وحشي أطلق عليه مجزرة، قتل بلا رحمة ولا هوادة، إبادة بشرية هدفها التخلص تماماً من جزء بشري من مجتمعات العرب.
حيث يتصفح الانسان بعضاً من صفحات التاريخ الحديث والمعاصر، يرى بوضوح حضور ظاهرة المجازر والقتل الجماعي في مجتمعات العرب، حضور بفعل أعداء تلك المجتمعات الذين هم ليسوا قليلا. حين قامت إسرائيل بمجازرها في دير ياسين وفي صبرا وشاتيلا وفي لبنان في قانا قيل إن إسرائيل تسعى إلى الوجود، ووجودها لا يتحقق الا بالتخلص من بعض العرب إن لم يكن كلهم، وحين فشلوا في قتل الكل جعلوا المجازر بطعم آخر يتعلق بموت المروءة لا الموت البشري. لقد تم التعامل مع مجتمعات العرب على انه لا حق لها في الوجود الا وفق ما يريد الآخرون، والآخرون هم خصوم ذلك الانسان العربي وتلك المجتمعات، فحين كانت تفعل المجازر البشرية القائمة على التخلص النهائي وتؤدي إلى تحقيق الخصوم أهدافهم، تم استعمالها، وحين أصبحت المجازر البشرية لا تؤدي النتيجة المطلوبة كان يتم قتل من نوع آخر، وهو قتل المروءة وروح المسؤولية نحو الحق العربي في الأرض والحياة الكريمة، فتحويل الكثيرين إلى رعايا كان مجزرة من نوع آخر، ظاهر الامر أنهم أحياء، وباطنه انهم كمن ماتوا بلا تأثير.
وتستمر فكرة القتل والمجزرة عبر مراحل زمنية متعددة ظهر فيها دور المستبد الذي كان استبداده لا يكتمل الا بقتل تلك الرغبة في الكرامة والحرية للإنسان العربي، فالمستبد مشروع قاتل مكتمل الأركان لكنه لا يستخدم دائماً فكرة التخلص النهائي من الخصوم، وانما عبر التخلص التدريجي الذي مآله فقدان القدرة على التأثير بشكل كامل والذي هو مجزرة بالتدريج.
المجازر التي حدثت في سياق الرد على الربيع العربي لا تختلف كثيراً عما فعلته إسرائيل في فلسطين، فتلك مذابح لخلق أساس واستدعاء حق، في حين أن مجازر المستبد إصرار على إبقاء البشر في دائرة القطيع الذي ليس له من خيار، وإن حاول الخيار فمصيره مصير أولئك في حلب وفي الغوطة، ومن قبلها في ليبيا وفي العراق والقائمة تطول وهي معروفة للقارئ الكريم.
تتعدد أماكن الجريمة وأحيانا بيئتها، لكن المجرم واحد، يستهدف الانسان في بلاد الحرب عبر أدوات مآلاتها واحدة وهي أنها مجازر، فالتقسيم العرقي أو المذهبي، والاحلال السكاني كلها أنواع من المجازر التي يراد لها ان تخلق واقعاً جديداً يخدم فقط خصوم العرب، وتبقى العرب في دائرة عدم التأثير ومنعهم من حق الحياة الكريمة القائمة على تكريم الانسان الذي كفله الله عز وجل لبني آدم.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري