كتاب وأراء

هل نحن أمام عودة الماوية..؟

طَرَحَت الثورة البلشفية في الاتحاد السوفياتي السابق عقب استيلائها على السلطة عام 1917 مسألة «ديكتاتورية البروليتاريا» كمرحلةٍ انتقاليةٍ لتثبيتِ ما أسمته سلطة «العمال والسوفياتات، ومجالس الشعب». كذلك فَعَلَت الصين الشعبية وحزبها الأوحد بعد قيام جمهورية الصين الشعبية عندما طَرَحَ زعيم الصين التاريخي ماوتسي تونغ «ديكتاتورية العمال والفلاحين» انتقالاً للثورة الثقافية.
رحيل مؤسسي الصين الحديثة (ماوتسي تونغ + شون إن لاي) عام 1976، وقبلهما (ليو تشاو تشي) عام 1975، مهد الطريق أمام عهدٍ جديد، وبداياتٍ مغايرة حين طرح الأمين العام للحزب ورئيس الدولة (دنغ سياو بنغ) في حينها، وانطلاقاً من العام عام 1982، مسألتي «الانفتاح، و»الاشتراكية بخصائص صينية».
ومنذ ذاك الحين بدأت الصين الشعبية تَشُقُ طريقها السياسي والاقتصادي والتجاري في العالم، لتصبح دولة تحوز على ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم.
الآن يعود الحزب الحاكم في الصين، لإحداثٍ نقلةٍ قد تبدو في ظاهرها «عودة إلى ديكتاتورية الفرد الواحد» في حياةِ الدولةِ الصينيةِ، وبرامجها الإصلاحية وسياسات الإنفتاح، وكأنها تقوّض أيضاً نظام القيادة الجماعية، والخلافة المنظمة، الذي أرساه المصلح وزعيم الإنفتاح الرئيس الصيني الأسبق (دنغ سياو بنغ) عام 1982.
فقد أقرَّ البرلمان الصيني تعديلاً دستورياً تاريخياً، ألغى فيه تحديد ولايات الرئاسة باثنتين من خمسِ سنوات، ويُمهد للرئيس (شي جينبينغ) تولي منصبه إلى موعدٍ غيرِ مُحدد. علماً أنَّ التعديلات تشمل أيضاً بنوداً اساسية تُدرج «فكر شي جينبينغ» في الدستور، وتوسيع صلاحيات الحزب في إدارة شؤون البلاد، إضافة إلى وضع إطار قانوني لإدارة جديدة عليا لمكافحة الفساد. وحظي التعديل الدستوري بتأييد 2958 نائباً، في مقابل معارضة نائبين وامتناع ثلاثة عن التصويت.
مؤيدو، ومنظّرو، القرار الأخير للبرلمان الصيني، يعتقدون بأن حيثيات القرار تنطلق من أنَّ التعديلات «ستضمن وجود قيادة مُتماسكة تعمل على تحسين الدستور وتطويره لمواكبة العصر وتأمين ضمانة دستورية صلبة، ومن أجل تدعيم الاشتراكية وتطويرها بالخصائص الصينية في الحقبة الجديدة». كما يعتقدون بأن الرئيس (شي جينبينغ) يطرح الآن تطبيق رؤيته للصين المُتجددة بوصفها قوة عالمية بحلول منتصف القرن، ويشنّ حملة على الفساد طاولت اكثر من مليون شخصية رسمية في الحزب الشيوعي الحاكم، حيث تُشير مصادر مختلفة بأنَّ كلفة الفساد في الصين تبتلع 10% من الناتج القومي الداخلي؛ وأنَّ معالجة هذه المشكلة تُسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ في الصين.
ويعتقد مؤيدو القرار أيضاً، أنَّ استقرار قيادة واحدة في السلطة في الصين ضروري لمواصلة الحملة على الفساد، وأنّ شرط اقتلاع الفساد هو استقرار القيادة الصينية، وعلى رأسها وجه رجل واحد. وهو ما يمنح الرئيس القدرة على مواصلة ما بدأه، ولا سيما في مجال إصلاح مؤسسة الدولة والحزب وتطهيرها من الفساد، من وجهةِ نظرهم.
إنَّ لسان المعارضين للتغيير الأخير في الدستور الصيني، يرون بأن الرئيس (شي جينبينغ) كان يخوض انقلاباً ناعماً خلال السنوات الخمس الماضية، بجعله المكتب السياسي للحزب الحاكم في الصين مجرد هيئة صورية، وبالتالي فقد أصبح من وجهة نظرهم «امبراطوراً» و«ماو تسي تونغ القرن 21».
وبكل الحالات، وبغض النظر عن كل المسوغات المؤيدة أو المعارضة، إنَّ تعديل الدستور في الصين الشعبية، من قبل البرلمان، وبأكثرية ساحقة، يعني بالنتيجة رئاسة بلا نهاية، وقد تكون عودة للماوية...
بقلم : علي بدوان

علي بدوان