كتاب وأراء

قطر والسودان.. وسقوط وهم الواهمين!

... وتلك هي الدبلوماسية القطرية.. تعرف تماماً ما يسمى في الفقه السياسي- أيضاً- ما يُعرف بحكم الوقت.
تأسيساً على ذلك، يمكن القول إن زيارة سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني- نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية- للخرطوم، جاءت في وقتها تماماً، وهو الوقت الذي باتت فيه الدبلوماسية القطرية تسجل فيه نقاطاً مهمة جداً ولافتة، في معركتها ضد دبلوماسية اختلاق الأكاذيب، والافتراءات.. وهو تمام الوقت الذي تحتاجه الدبلوماسية السودانية، لتقول للعالم- حتى ولو بالإشارة فقط- إنها لا يمكن أن تميل إلى الباطل، في معركته الخائبة لإلباس ذلك الباطل لبوس الحق، والحقيقة.
معركة دول الحصار ضد قطر، هي معركة خابت، بكل المقاييس، ليس فقط بسبب أن الباطل كان زهوقاً، وإنما بسبب أن قطر أدارت المعركة بدبلوماسيتها النشيطة والحصيفة، بكل ما عُرف عن هذه الدبلوماسية من ديناميكية، وعقلانية، وهدوء في الوقت ذاته، وبالكثير من التوازن والاتزان.
سقطت- إذن- محاولات دول الحصار، لشراء المواقف، في معركة التحشيد الإقليمي والدولي ضد قطر، وهي المعركة التي ظنت فيها تلك الدول أن الدول الجائعة يمكن أن تأكل من ثدييها!
ذلك ظن فاسد في الأساس. ذلك ظن فيه ما فيه من تبخيس للحرية كقيمة، وللأحرار في تمسكهم بهذه القيمة.. بل فيه ما فيه من بذاءة وشتيمة مقذعة لأولئك الأحرار الذين لا يُبتاعون إطلاقاً في سوق نخاسة المواقف الشائهة، المشوهة، والمشبوهة.
أيضاً، سقطت محاولات التحشيد، ذلك ببساطة أيضاً، لأن فيها استهزاء بعقل هذا العالم، وضميره، وكل القيم التي اكتسبها على مدار التاريخ، للتمييز بين الخبيث والطيب.
موقف السودان، ليس موقفاً رأسياً، رئاسياً- فقط- وإنما هو موقف أفقى، ذلك لأن شعب السودان- كما الرئاسة- يعرف تماماً أفضال قطر.. تلك الأفضال النزيهة والمنزهة.. والتي ليست فيها مِن مَنّ ولا أذى. إنها الأفضال لوجه روابط الدين واللسان والتاريخ.. ولوجه روابط الإنسانية، في معناها النبيل، والمحترم جداً.
الموقفان: الرئاسي والشعبي العريض، ما كانا ليمكن أن يكونا هكذا، لولا أن السودان، من أدبه وأدبياته الموروثة والتي يحرص على توريثها لأجياله أن جزاء الإحسان هو الإحسان.
سعادة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، لمس ذلك في الخرطوم، والرئيس البشير يتحدث بإيمان وامتنان عن أفضال قطر تجاه السودان، في تمام الوقت الذي كان يكابد فيه السودانيون النيران في دارفور، وهي النيران التي أكلت أيضاً إلى جانب الأرواح العزيزة، الكثير من موارده المالية.
كان الرئيس البشير يتحدث، وكف قطر الممدودة بالسلام والممتدة بالمشاريع المهمة التي تحرس السلام، حاضرة في ذهنه وضميره.. جنباً إلى جنب مع جميع المشاريع الاستثمارية الأخرى في مناطق متفرقة من السودان، ومن بينها المشروع القطري لإعادة تأهيل كنوز السودان التاريخية، والترويج لها في العالم كله.
أيضاً، لمس سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، ذلك وبروف إبراهيم غندور، يتحدث بلسان شكور، وهو لا يكاد يحصي ما قدمته قطر للسودان، على أكثر من صعيد، في تمام الوقت الذي غل فيه الكثير من الأشقاء أياديهم إلى أعناقهم، وانزووا بعيداً، والسودان في خضم النيران، والمسغبة المالية.
وعودة إلى الزيارة، في هذا الوقت من وقت الدولتين، فإنها تقول باختصار شيئاً مهماً جداً: علاقة قطر والسودان، أكبر من أوهام الواهمين بإحداث أي شرخ فيها.
المراقبون الذين يقرؤون في ما بين سطور هذه الزيارة، يقرؤون فيها، أن السودان قد جسد فعلاً مقولة الرئيس البشير، فيما كان الصائدون في المياه العكرة يحاولون اصطياد موقف السودان إلى موقفهم المشبوه.. قال: «علاقتنا قوية بقطر، ولن نفرط فيها على الإطلاق».
ذلك قول رئيس تحسس نبض قلب شعبه.
قوة هذه العلاقة، تتضح أكثر، وزيارة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني تتوج بتأسيس لجنة مشتركة للتشاور السياسي.. ومثل هذه اللجنة في الأعراف السياسية تقول شيئاً مهماً: ما بين الدولتين من تشاور يهدف في الأساس إلى تنسيق المواقف في جميع القضايا التي تهم الإقليم والعالم.. وتتضح مرة أخرى، في توسيع المشاريع القطرية في السودان.. وفي استمرار حرص الدوحة على تمكين السلام بالكامل، في دارفور وحراسته ميدانياً بالمشاريع التي تنفع ذلك السلام.. وتنفع الناس.
جملة أخيرة.. زيارة سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني للخرطوم، في هذا الوقت، أسعدت السودانيين.. وأوغرت في الوقت ذاته، بالغيظ، صدور كل الذين خابت محاولاتهم في التحشيد، وشراء ذمم الأحرار.
نعم.. تجوع الحرة ولا تأكل من ثدييها.

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار