كتاب وأراء

في حضرة «فرانسيس فوكوياما»

بغض النظر عن رأينا في نظريات المفكر الأميركي «فرانسيس فوكوياما»، وعلى رأسها نظرية «نهاية التاريخ» التي أشهرته قبل أن يتبين عدم صوابها.. أقول بغض النظر عن كل هذا، فإن المرء لا يمكنه إغفال ما يتمتع به الرجل من حضور، وفكر مرتب، وسلاسة في التعبير، وقدرة على شد انتباه المتلقي دون إدخاله في متاهات. هذا ما لمسته شخصياً ولمسه غيري ممن استمعوا إليه في جلسة من جلسات مؤتمر عقد مؤخرا
ما طرحه فوكوياما في تلك الجلسة من أفكار ورؤى وإجابات كانت كثيرة بطبيعة الحال، لكني بسبب ضيق هذه المساحة الصحفية سأتوقف عند مسألتين جديرتين بالنقاش.
أولاً: في مسألة ما تمر به إيران من أزمات داخلية أدت مؤخرا إلى موجة من الاحتجاجات الجماهيرية، بسـّط فوكوياما القضية كثيرا، بل جاء بما لم يأت به أحد قبله كتفسير لتلك الأزمات. فهو لئن أكد أن إيران - بحسب كلامه - سوف تنفجر من الداخل بسبب وجود طبقة شابة متعلمة سأمت من الخضوع لسلطة دينية متشددة في مسائل الحريات العامة، فإنه عزا موجة الاحتجاجات الأخيرة إلى ظاهرة الاحتباس الحراري!
وإيضاحا للجزئية الأخيرة فإن فوكوياما يرى أن العوامل المناخية الصعبة التي مرت على إيران، محدثة الجفاف ونقص المياه، وبالتالي نقص المحاصيل الزراعية التي يعتمد عليه إيرانيو الأرياف في معيشتهم، ساهمت مجتمعة في موجات نزوح من الريف إلى المدن، الأمر الذي تسبب في تكدس العاطلين وانتشار الأمراض والضغط على البنى التحتية الضعيفة، فكانت المحصلة خروج هؤلاء إلى الشارع احتجاجا.
ثانياً: في ما يتعلق بمستقبل الصين وصعودها، كان لافتا تبنيه للنظرية الزاعمة بأن الصين سوف تغدو خلال السنوات العشرين أو الثلاثين القادمة قطبا عالميا يتحكم في مصائر الكون وشؤون العالم خلفا للولايات المتحدة الأميركية. هذه النظرية تبناها قبله بعض مواطنيه الأكاديميين، لكن أن يتبناها فوكوياما (صاحب نظرية «أن التاريخ قد انتهى بقيام نظام عالمي أحادي القطب على رأسه الولايات المتحدة») فهو مصدر الاستغراب.
نعم، الصين قوة اقتصادية جبارة استطاعت خلال فترة وجيزة أن تحتل مكان اليابان كثاني أعظم اقتصادات العالم بعد الولايات المتحدة، والصين من ناحية أخرى صاحبة قوة عسكرية متنامية تحاول أن تبني لنفسها موطئ قدم في البحار والمحيطات البعيدة وفي العديد من أقطار العالم الثالث عبر إقامة قواعد عسكرية دائمة، لكن هل بالاقتصاد والقوة العسكرية وحدهما تتحول الأمم إلى «سوبر باور كوني»؟
إن ما جعل الولايات المتحدة تكتسب هذه الصفة ليس قوتها الاقتصادية والمالية والتجارية الهائلة، ولا ترسانتها العسكرية الضخمة، ولا طاقتها العلمية والتكنولوجية المخيفة فحسب، وإنما كل هذه العوامل مضافا إليها ما تملكه من أسلحة ناعمة لم تتح لأي بلد من قبل. ويمكن تحت قائمة الأسلحة الناعمة أن نضع أشياء كثيرة لئن افترضنا أن الصين تملك بعضها، فإنها ليست قادرة أن تكتسح بها العالم وتؤثر من خلاله في حياة وخيارات من يسكنون كوكب الأرض. فعلى سبيل المثال كم مليون شخص خارج الصين يتحدثون الصينية أو يشاهدون السينما الصينية أو يتابعون أخبار ما يجري في الصين لحظة بلحظة، أو يتعاملون باليوان الصيني وبطاقات اعتماد صينية المصدر في تجارتهم وسياحتهم ومشترياتهم، أو يضعون أموالهم في مصارف صينية، أو يستثمرون في بورصة بكين وشنغهاي بدلا من بورصة نيويورك، أو يترددون على سلسلة مطاعم صينية؟ دعك من مسألة أخرى في غاية الأهمية كانت وراء وصول الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه وهي الشفافية وحرية التعبير والإعلام الحر والمجتمع المفتوح، وهذه أيضا تفتقدها الصين.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني