كتاب وأراء

المسلمون والعلم بين الماضي والمستقبل «2-2»

أمام العرب والمسلمين فرصة كبيرة لتعويض مافاتهم من مجالات التقدم العلمي والتقني، ويمكنهم بناء نهضة على نفس الأسس التي أقام عليها أجدادهم النهضة الكبرى التي علمت العالم، وأمامنا مثالان لدول تقدمت بعد أن كانت تعاني من التخلف وهما اليابان والصين، فقد استطاعت اليابان أن تحقق طفرة في مجالات الصناعات الالكترونية وقد اختار هذا المجال لأنه يناسب ظروفها وهي كثافة السكان وقلة الموارد. وبدأت الصين بنشر الثقافة العلمية والبدء بصناعات المنتجات رخيصة الثمن تجمع بين التقليدي والحديث، وذلك ما كان يناسب ظروف الصين في ذلك الوقت. وبالنسبة للعالم العربي والإسلامي يمكن الاستفادة من التجربتين في أمر أساس هو الاعتماد على الذات وتحديد الهدف بدقة، والإسراع بوضع خطة شاملة قابلة للتنفيذ وتوظف فيها الإمكانيات المادية والبشرية، وقد اقترح المفكر الكبير الدكتور مصطفي النشار أن تكون الأسس التي تقوم عليها هذه الخطة كما يلي: أولا وضع استراتيجية عربية تتضافر فيها الجهود السياسية والإمكانات الاقتصادية العربية، وذلك لأن أي دولة عربية لن تنجح وحدها في تحقيق ذلك، ويمكن أن تقوم الجامعة العربية بدور كبير في سبيل تحقيق هذا الهدف بتعاون الدول العربية. ثانيا: في إطار هذه الاستراتيجية الموحدة يتم إنشاء مراكز للبحث العلمي لإعداد كوادر علمية تتولى القيام بصناعة العلم والتقنية بموارد مواد عربية ووفقا لاحتياجات البلاد العربية ويشرف على هذه المراكز ويديرها العلماء العرب الكبار سواء المهاجرين أو المقيمين وهم كثير ولن يتأخروا على أداء هذه الرسالة إذا توافرت لهم الإمكانات والوسائل، وبالطبع يتم الاستفادة بالقدرات العلمية في الجامعات والمراكز العلمية الموجودة في كافة الدول العربية.
ثالثا: إنشاء مراكز متخصصة للترجمة وتعريب الأبحاث والمراجع العلمية في كافة فروع العلم وخاصة العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية، مع مراعاة أن يشمل هذا المشروع الحضاري كل جديد في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية. ولا شك أن قضية تعريب العلوم من القضايا المصيرية بالنسبة للمستقبل العربي، وهي السبيل التي خلق المناخ العلمي والمساهمة في تكوين أجيال من الفنيين والإداريين والعلمين، مع الاستفادة من الجهود المبذولة في بعض الدول العربية في هذا المجال، ومن الطبيعي أن تتم الاستفادة من العلماء العرب في المهجر.. وينبه الدكتور مصطفي النشار التي أهمية مشاركة المؤسسات الخاصة والأفراد القادرين في دعم البحث العلمي وتعريب العلوم مما سيعود بالفائدة على مشروعاتهم. رابعا: العمل على إعادة الكفاءات العلمية العربية ذات السمعة العلمية العالمية وكثير منهم يرغب في العودة، ووجود هؤلاء بما اكتسبوه من خبرة الاحتكاك بالمؤسسات العلمية في الغرب ستساعد في تكوين أجيال جديدة من الباحثين، وهؤلاء العلماء العرب لديهم الغيرة والإخلاص لوطنهم العربي بعكس الأجانب. خامسا: التركيز على التنشئة والتربية العلمية للشباب العربي، ولا شك أن إنشاء المؤسسات العلمية سيؤدى إل إقبال الشباب العربي على التخصصات العلمية، ويساعد على ذلك البدء من المدارس لتربية تلاميذها على التفكير العلمي وحب البحث والتعود على استخدام عقولهم وتنمية قدراتهم العلمية.
وما يقترحه الدكتور مصطفى النشار يمثل مشروعا طموحا قد يبد صعب التحقيق ولكنه- ممكن إذا توافرت الإدارة وأمامنا حقيقة ماثلة أمام العيون وهي وجود آلاف من العلماء العرب في داخل البلاد العربية وتنقصهم الإمكانات والوسائل والتمويل والمؤسسات الحاضنة لأبحاثهم، وآلاف العلماء العرب في دول أوروبا وفي الولايات المتحدة يسهمون مساهمات كبيرة في تقدم البحث العلمي فيها.. وهناك دول استطاعت أن تحقق نتائج مبهرة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا بفضل اهتمامها بالبحث العلمي مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة وغيرها.. وإذا نهضنا بالتعليم والبحث العملي فسوف تكون الدول العربية قادرة على المنافسة بقوة في مجالات صناعية والتكنولوجيا. ولابد أن ندرك أن التفوق العلمي ليس حكرا على شعب أو شعوب معينة، وأن هناك شعب أو شعوب غير مؤهلة للدخول في هذا الميدان الوحيد لتحقيق النهضة واللحاق بالعصر، لأن الواقع أمامنا يشهد بأن مجال المشاركة في الإبداع العلمي والتكنولوجي يتسع لجميع الشعوب والأفراد والقدرات العربية ليست قليلة، وإرادة التقدم موجودة، والكوادر والمؤسسات وأيضا موجودة، والأمر يحتاج التي استراتيجية شاملة تحقق التقدم وتستكمل ما هو قائم وتضيف إليه.
بقلم : رجب البنا

رجب البنا