كتاب وأراء

لعبة الأمم الصين واليابان .. وعنق الزجاجة

توجد في شرق بحر الصين مجموعة من الجزر الصخرية غير المأهولة. تطلق الصين عليها اسم ديااويو، وتطلق اليابان عليها اسم سينكاكو. ليست المشكلة في اختلاف الاسمين، ولكن المشكلة تكمن في ادعاء كل منهما السيادة عليها. لم تعرف الدولتان الكبيرتان حسن الجوار طوال القرن العشرين وحتى اليوم، غير انهما اليوم وربما للمرة الأولى تجدان انهما تتقاربان في مواجهة التطورات الجديدة التي تعصف بمنطقة شرق آسيا، خاصة بعد الجولة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشملت خمساً من دولها.
التطور الأول هو عدم الاطمئنان الصيني والياباني إلى السياسة الأميركية الجديدة، وتحديداً إلى مواقف الرئيس ترامب شخصياً التي تتسم بالمزاجية والتقلّب. فالحسابات السياسية القائمة على الاعتماد عليه، أو حتى على الحذر منه، معرضة دائماً وفجأة إلى الاصطدام بمتغيرات طارئة وغير محسوبة. ولذلك وجدت كل من طوكيو وبكين ان لهما مصلحة في البحث عن قارب نجاة يمكن اللجوء اليه اذا ما وجدت أي منهما انها محرجة بقرار أميركي غير متوقع.
التطور الثاني هو بروز الأنياب النووية لكوريا الشمالية. وهو خطر يتهدد اليابان في الدرجة الأولى، الا ان الصين رغم مساعداتها الاقتصادية لبيونغ يانغ، فإنها تدرك جيداً انها لن تنجو من المضاعفات المدمرة لأي اصطدام بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.
ومن هنا فإن الشعور بخطر السلاح النووي الكوري الشمالي في كل من طوكيو وبكين يشكل قوة دفع قوية نحو تفاهمها لمواجهة هذا الخطر المشترك معاً.
أما التطور الثالث فهو خشية اليابان من أن تذهب الولايات المتحدة بعيدا في تحالفها السياسي وفي تعاملها الاقتصادي مع الصين على حساب المصالح اليابانية في المنطقة. وهي تجد في التعاون مع الصين صمام أمان للمحافظة على هذه المصالح، ولو في حدها الأدنى.
وهناك مؤشر إيجابي يؤكد ذلك. فالصين التي تتمسك بسيادتها على الجزر المختلَف عليها مع اليابان، أوقفت هذا العام، ولأول مرة عمليات الصيد التي كانت تقوم بها على نطاق واسع في المياه الإقليمية للجزر، وهي اشارة فهمتها اليابان على انها مبادرة حسن نية.
والواقع أن الصين أصبحت تتمتع بقدر عالٍ من الثقة بالنفس بعد التقدم الاقتصادي الذي حققته، بحيث انها باتت تشعر الآن ان إقامة علاقات جوار حسنة وبناءة مع اليابان أصبح في مصلحتها ايضاً. فالأمر الاساسي بالنسبة للصين هو ان لا تدفع مخاوف طوكيو إلى تحولها لقوة عسكرية ثالثة في شرق آسيا إلى جانب بكين وواشنطن. فالمشروع الصيني في المنطقة هو أن تحلّ الصين كقوة أولى (حتى على حساب الولايات المتحدة) في غرب المحيط الباسيفيكي.
وخلال المؤتمر الأخير الذي عقدته دول المنطقة في فيتنام، لم يترك الرئيس الصيني «تشي» فرصة الا واستغلها بحرفية عالية ليثبت للرئيس الياباني شينزو آبي ان عليه أن يتكيف بهذا الوضع الجديد اذا كان حريصاً بالفعل على فتح صفحة جديدة مع الصين. وعنوان هذا الوضع الجديد هو «الصين أولاً» في شرق آسيا.
ومنذ ان تولى الرئيس آبي السلطة في طوكيو للمرة الأولى في عام 2012 وهو يحاول ترميم علاقات بلاده مع الصين ولكن دون جدوى. ومن مبادراته الانفتاحية ارسال وفد ياباني عالي المستوى إلى بكين للمشاركة في الاحتفال الذي أقامه الرئيس تشي لإطلاق مشروعه الاستراتيجي الطموح «حزام واحد – طريق واحد» الذي يعكس مدى الطموحات المعنوية للصين في آسيا وأوروبا. وكانت اليابان قد قاطعت الاحتفال الذي سبق أن دعا اليه الرئيس تشي لإعلان تأسيس بنك الاستثمار لتمويل مشاريع التنمية في الدول الآسيوية.
في عام 2008 قام الرئيس الصيني آنذاك هيو جينتاو بزيارة رسمية –تاريخية- لطوكيو، واتفق مع رئيس الحكومة اليابانية في ذلك الوقت ياسو فوكودا على «التعاون لإقامة علاقات سلام وصداقة بين الدولتين». ولكن هذا التعهد المشترك لم يعش سوى عامين فقط. اذ سقط بعد إعلان الصين السيادة على الجزر الصخرية المتنازع عليها. الأمر الذي أدى إلى عودة العلاقات بينهما مرة جديدة إلى نقطة الصفر.
فهل يدفع القلق الصيني - الياباني المشترك من تقلبات السياسة الأميركية في شرق آسيا إلى إخراج هذه العلاقات مرة جديدة من عنق الزجاجة؟.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك