كتاب وأراء

العقاد تنبأ بمصير فلسطين

لم يتنبه مؤرخو العقاد إلى زيارته إلى فلسطين صيف عام 1945 قبل حرب فلسطين بثلاث سنوات على الرغم من أنه كتب عن هذه الرحلة عدة مقالات تناولت حالة فلسطين والفلسطينيين الاجتماعية والسياسية في ذلك الحين وأشار إلى ضرورة العمل العربي مبكرا قبل أن تقع الكارثة التي تنبأ بها وحذر منها والتي وقعت بعد ذلك.
فهو يكتب عن الصراع العنيف بين مدينتين هما مدينة يافا ومدينة تل أبيب فالمدينتان متجاورتان حتى أن الشارع أحيانا يبدأ في يافا وينتهي في تل أبيب. ويافا مشهورة في التاريخ القديم قبل ثلاثين قرنا من الزمان وكانت الإسكندرية لم تظهر إلى الوجود بعد بينما كان شعراء اليونان الكبار مثل سوفكليس ويور بيدس وغيرهما يتغنون بجمال يافا.
وقد تجول العقاد في مدينة تل أبيب ووصفها بأن الزحام يملأ الطرق ولا تكاد تلمح إنسانا يشير إلى إنسان آخر بالتحية إلا نادرا وتنظر إلى السائرين فلا ترى على وجوههم ما يدل على السعادة ربما لأن أثرياء اليهود والناجحين منهم في بلادهم لا يتركون أوطانهم ويبيعوا نجاحهم المحقق.
ويشير العقاد إلى مذكرات أول مندوب سام بريطاني في فلسطين هو اللورد هربرت صمويل وهو سياسي فيلسوف ينتمي إلى أسرة إسرائيلية كبيرة في بريطانيا وقال بصراحة إن ثلاثة من زعماء اليهود الإنجليز شاورتهم الحكومة البريطانية في إعلان «الوطن القومي لليهود» في فلسطين فكانوا معارضين ومتشائمين أيضا وعلى رأسهم إدوين منتاجو الذي كان وزيرا لشؤون الهند في وزارة لويد جورج الائتلافية.
ولكن المشروع البريطاني- الصهيوني سار في طريقه لسببين كما يقول العقاد السبب الأول سهولة الحصول على أراضٍ من الوطن العربي وهو في حالة ضعف وتفكك في أعقاب الحرب العالمية الأولى، والسبب الثاني الاضطهاد الذي كان يلاقيه اليهود في كثير من الدول الأوروبية، وهكذا تتكون إسرائيل من شعب من أصول وثقافات مختلفة.
وكان العقاد يحذر العرب من تعظيم خطر الصهيونية ومن تهوين هذا الخطر إذا لم يقترن ذلك بالشروع في العمل المفيد، ويلقي على الجامعة العربية المسؤولية في ذلك، أي أن الدول العربية جميعها عليها أن تسير في طريقين طريق التصدي للمشروع الصهيوني وطريق بناء القوة الذاتية لكل بلد عربي، وإذا فعلت ذلك فسوف تحقق النجاح في جميع قضاياها.
والتعاون العربي– في فكر العقاد- قائم على استقلال كل دولة عربية في سياستها الداخلية دون تدخل في شؤونها من دولة أخرى، وعلى المساواة بين البلاد العربية، وعدم الخروج عن حدود التعاون المحمود وهي حدود أداء الواجب ولا يتجاوزون حدوده، ويخدمون القضايا العربية خدمة الأعوان ولا يخدمونها عن طريق الضجة الخاوية وبعيدا عما يطلق عليه الشعوذة السياسية وكتب العقاد كثيرا عن أهمية دور الشباب في خدمة وطنه، وبالعمل يحصل على المكانة التي يستحقها دون طلب لأن الاعتراف بالكفاءة وبالموهبة لا يكون بالطلب ولكن الكفاءة تفرض صاحبها، والموهبة لا يمكن أن تخفي. فالموهبة مثل الجوهرة تلمع وحدها ولها بريق وتجذب الأنظار وتحظى دائما بما تستحقه من التقدير ولو بعد حين.

رجب البنا