كتاب وأراء

التميز العلمي في وطن التميز

ما أجملها من عبارة «التميز العلمي»، وما أجمل وقعها على الأذن عبارة «تكريم المتميزين علميا»، خصوصا إذا كان من يتفضل بالتكريم هو قائد المسيرة وربان السفينة «تميم المجد» حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله ورعاه، الذي دعانا في خطاب لسموه بعد فرض الحصار الجائر على شعبه قائلا: «نحن بحاجة للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة والاهتمام بالتحصيل العلمي في الاختصاصات كافة، والاعتماد على النفس ومحاربة الكسل والاتكالية»، هذه العبارات والتوجيهات السامية اتخذها المتميزون من أبناء الوطن دستور حياة لهم، وخطوها بأحرف من نور ووضعوها نصب أعينهم، في البيت والعمل، وقبلهما في العقل والقلب، واتخذوا الخطوات الجادة لترجمتها إلى واقع حقيقي، فكانوا عند حسن ظن قائدنا وملهمنا سمو الأمير المفدى، فاستحقوا التكريم.
إن التميز العلمي في هذه الدورة وهذا العام له طعم خاص ومذاق مختلف لأنه جاء في ظل أزمة الحصار الجائر، فمن فازوا في هذا الدورة أثبتوا للقاصي والداني أن دولتنا قطر تستعصي على من يريد النيل من سيادتها، أثبتوا مواقفهم وحبهم للوطن بالعمل، لا بمجرد القول فقط أو إطلاق الشعارات الجوفاء التي تفتقد العزيمة والوفاء.
تحتفل وتحتفي دولة قطر بالفائزين في فئات جائزة التميز العلمي في دورتها الحادية عشرة، وتم أمس تتويج هذا الاحتفاء والاحتفال بحضور حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وتفضل سموه بتكريم الفائزين، فحضور سموه يمثل دفعة قوية للمكرمين لبذل المزيد من الجهد في مجال التطوير والإبداع، مما يؤكد التزام دولتنا وقيادتنا بالاستثمار في العنصر البشري، وتمهيد الطريق أمام كل من يثبت قدراته في البحث والإبداع والابتكار، للمشاركة في نهضة ومستقبل بلدنا، فالعلم هو أساس كل شيء ومنبع التقدم الحضارى لأى مجتمع، فلا نجد أمة جاهلة تأخرت في ميدان التعليم تتمتع بالتقدم والازدهار، لأنها لا تكون على دراية بعناصر الرقى والمتطلبات الحديثة.
إذن العلم اليوم كالماء والهواء، وكالمأكل والمشرب وغير هذا من الأمور اللازمة لبقاء الإنسان، وهو عمود من أعمدة بناء الأمم ورعتها، لأن به يمكن القضاء على التخلف والرجعية، وبه أيضا يتم التغلب على الفقر والجهل، وغير ذلك من الأمور التي من شأنها أن تؤخر الأمم، ويساهم في إنتاج وابتكار وسائل تساعد الإنسان على مواكبة مختلف تطورات الحياة، وأن يصنع مستقبلاً مشرقا للفرد والمحيطين به، بالإضافة إلى توفير المعيشة الكريمة والحياة الراقية، وبالعلم أيضا يستطيع الإنسان أن يواجه المشكلات التي تواجهه في خضم الحياة، وأن يكسر مختلف الحواجز التي تعوقه وتقف في طريقه، كما يستطيع بالعلم أن يعرف حقوقه وواجباته في المجتمع، وهو إلى جانب كل هذا يعمل به صدقة جارية، ولقد أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو لمده بالمزيد من العلم فقال تعالى في الآية رقم 114 من سورة طه: «فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما».
ونحن في صدد هذا الحديث توجب علينا تقديم الشكر للقائمين على جائزة التميز العلمي واللجان العاملة في تنظيم هذه الفعالية، ونثمن جهود أولئك الذين جعلوا رسالتها تعميق مفاهيم التميز والإبداع من خلال تبني المعايير العالمية وتنفيذ البرامج النوعية وتحقيق تكامل الجهود الفردية والمؤسسية لتحسين مخرجات العملية التعليمية في دولة قطر، وحددوا أهدافها على هذا النحو المتكامل: تقدير المتميزين علميا من أبناء دولة قطر وتكريمهم والاحتفاء بهم، تعميق مفاهيم التميز وتشجيع كافة الأفراد والمؤسسات التعليمية على تطوير أدائها، تعزيز الاتجاهات الإيجابية نحو المعرفة والبحث العلمي، بث روح الابتكار لدى الطلبة والباحثين والمؤسسات التعليمية، إذكاء روح التنافس بين الأفراد والمؤسسات التعليمية في مجال التميز العلمي، توجيه الطاقات الفردية والمؤسسية نحو التميز العلمي في المجالات التي تخدم تحقيق توجهات الدولة التنموية.
ومثلما نهنئ الفائزين ونشد على أيديهم نثمن أيضا جهود الذين لم يحالفهم الحظ ونقول لهم: «يكفيكم شرف المحاولة» ولابد أنكم ستنالون ما تتمنون يوما ما، وندعو البقية إلى المشاركة في الدورات القادمة، فمجالات الجائزة واسعة وفسيحة، تستوعب ثماني فئات هي: جائزة التميز العلمي لطلبة المرحلة الابتدائية، وجائزة التميز العلمي لطلبة المرحلة الإعدادية، وجائزة التميز العلمي لخريجي الثانوية، وكذلك لخريجي الجامعات، وحملة شهادة الدكتوراه والمعلم المتميز، والمدرسة المتميزة، والبحث العلمي المتميز.
إذن فميدان المنافسة واسع وباب التميز مفتوح أمام الجميع، لمن أراد التفوق والاتقان، ونيل شرف رفع اسم قطر عاليا، من خلال نشر ثقافة الإبداع والابتكار، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ففي هذا العصر لم يعد التحصيل العلمي وحده كافيا، ولكن يجب أن يتسم بالتميز الذي أصبح مطلباً ضرورياً لبناء قدراتنا العلمية، وإثراء مكتسباتِنا الوطنية، وامتثالا لتوجيهات رسولنا الكريم إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، وها هي دولتنا وبتوجيهات قيادتنا تحرص على توفير كل الفرص وتذليل كافة العقبات وتهيئة البيئة والمناخ المناسبين لتعزيز الإبداع والتميز حتى يساهم أبناؤها بخلاصة أفكارهم وما جادت به عقولهم وقرائحهم في مسيرة التحديث.
وبما أن الاستفادة من هذه الثروة البشرية إنما تتأتى من خلال كيفية توظيف طاقات ومعارف هؤلاء المتميزين ونتاج عقولهم في خدمة الوطن، فقد حان الوقت لاتخاذ خطوة جادة بتأسيس هيئة أو جمعية ولتكن تحت عنوان جمعية المتميزين علميا، يكتسب عضويتها كل من يفوزون في فئات الجائزة على مدى دوراتها المختلفة، بحيث ترعاهم وتحتويهم وتقدم لهم الدعم المتواصل، سواء في الترقيات الدورية أو الاستثنائية، وترفيعهم إلى الدرجات الوظيفية العليا، وتطبيق مشاريعهم العلمية على أرض الواقع، حتى لا يفتر حماسهم، أو ويخبو توهجهم العلمي، فقد علمتنا التجارب أن الوصول إلى القمة صعب والحفاظ عليها أصعب، والمتميزون تحدوا الصعاب ونجحوا، فلنساعدهم ليحافظوا على هذا النجاح.. والله ولي التوفيق.
بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي