كتاب وأراء

آسيا بانتظار ميلاد تحالف أمني جديد

على غرار حلف الناتو الذي أسس لمواجهة التمدد السوفياتي في أوروبا، وعلى غرار حلف السيتو الذي أسس بهدف صد أي تمدد شيوعي سوفياتي أو صيني في شرق آسيا، تحاول واشنطن اليوم تشكيل تحالف أمنى مشابه في منطقة آسيا/الباسيفيكي من أجل التصدي للطموحات الصينية المتنامية، والتي نجد أبرز تجلياتها في إقامة بكين لقواعد عسكرية في عدة دول آسيوية وافريقية مطلة على مياه المحيطين الهندي والهادي، وتأييدها لنظام بيونغيانغ من تحت الستار، وفرضها الهيمنة على بحر الصين الجنوبي وما بها من جزر صغيرة وثروات بحرية ونفطية.
إن فكرة هذا التحالف ليست جديدة، بل تعود إلى زمن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، حينما طرحها الأستراليون وأيدها بقوة وزير خارجيته كولن باول. الاختلاف الوحيد هو أنّ المشروع كان يفترض أن يضم أستراليا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية على اعتبار أن الأولى حليفة دائمة لواشنطون، وأن الدولتين الثانية والثالثة لهما مصلحة في تحجيم الصين لأسباب تاريخية واقتصادية. أما المشروع الجديد الذي تحمل لواءه كانبرا فإنه يضم في عضويته بالإضافة إلى أستراليا والولايات المتحدة كل من اليابان والهند (وربما كوريا الجنوبية مستقبلا) وكلها دول معنية بتطويق النمو العسكري والاقتصادي المتسارع للتنين الصيني.
وتوضيحا للجزئية الأخيرة فإن أستراليا التي تعتبر نفسها دولة آسيوية ومعنية بما يدور فيها بحكم الموقع الجغرافي لا تريد أن ترى بكين وقد صارت قوة مهددة للأمن والاستقرار في جوارها بفعل ما بين الأخيرة وخمس من دول تكتل آسيان من خلافات حول حق السيادة على جزر باراسيل وسبراتلي الواقعة في بحر الصين الجنوبي. أما الهند فلها مصلحة أكبر في تحجيم الصعود الصيني بسبب بناء بكين لقواعد عسكرية لها (في سريلانكا وميانمار وباكستان وجيبوتي) مطلة على مياه المحيط الهندي التي تعتبرها نيودلهي عمقا استراتيجيا لها، هذا ناهيك عما بين البلدين من خلافات حدودية وأحقاد منذ الحرب الصينية ــ الهندية الخاطفة عام 1962، دعك من دعم بكين العسكري والاقتصادي لباكستان، عدوة الهند التقليدية.
وحينما نأتي لذكر اليابان فإننا نجد أن لها مصلحة مماثلة في الانضمام إلى تحالف أمني يواجه الصعود الصيني المتعاظم. فاليابان لا تخشى المنافسة الصينية اقتصاديا فقط وإنما تتوجس أيضا من العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش الأحمر الصيني في مياهها الإقليمية ومعابر سفنها التجارية خصوصا وأن معاهدة سلام نهائية لم توقع بين البلدين منذ انتهاء الحرب الثانية بسبب تنازعهما السيادة على جزر سينكاكو /دياويو. ثم إن طوكيو تنظر بعين الريبة إلى العلاقات السرية بين بكين وبيونغيانغ وترى فيها محاولة صينية لتأليب كوريا الشمالية ضد أمنها واستقرارها، واستنزاف ميزانيتها الدفاعية وبالتالي الحيلولة بينها وبين قفزة تعيدها إلى الموقع الاقتصادي الثاني في العالم.
أما الولايات المتحدة التي تراوحت علاقاتها مع الصين صعودا وهبوطا منذ دبلوماسية «البينغ بونغ» في السبعينات فيكفي أن نقول أنها في ظل إدارة الرئيس ترامب ترى في الصين خطرا على مصالحها ونفوذها الإقليمي والعالمي وبالتالي فإن سياسة عرقلة طموحاتها أمر له ما يبرره، خصوصا وأن بكين تتعاون مع موسكو وطهران وبيونغيانغ وإسلام آباد في ملفات عالمية وإقليمية عدة خلافا للرؤى والمصالح الأميركية. لكن السؤال هو: كيف سترد الصين على التحالف الجديد المنتظر؟ هل يا ترى ستكتفي بالاحتجاج مثلما فعلت سنة 2007 حينما أجرت الهند مناورات عسكرية في خليج البنغال بمشاركة قوات أميركية ويابانية واسترالية؟ أم أنها ستتصرف بطريقة أخرى كتشكيل جبهة مضادة من الدول المتضررة من السياسات الأميركية مثل إيران وباكستان وكوريا الشمالية وروسيا الاتحادية، خصوصا وأن لها سابق تجربة يعود إلى عام 1996 حينما قررت مواجهة التفرد الأميركي في القرارات الدولية بتشكيل منظمة شنغهاي.

بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني