كتاب وأراء

الخرطوم .. التفكير خارج الصندوق القديم

- 1 -
تشهد الحكومة السودانية، تغييراتٍ كبيرةً عبر قرارات مُفاجئة، أصدرها الرئيس عمر البشير خلال الأيام الماضية. بدأت بالتغيير الأكبر والأهم، في جهاز الأمن والمُخابرات، إذ أعاد البشير مرةً أُخرى الفريق أول صلاح قوش إلى موقعه مديراً لجهاز الأمن والمُخابرات، وغادر الفريق أول محمد عطا المدير السابق إلى السلك الدبلوماسي.
اللحظة التي تم فيها إعلان عودة صلاح قوش وضح للجميع أنها بمثابة تدشين لمرحلة جديدة من مراحل تحوَّلات الحكومة السودانية، التي امتدت الأكثر من ثمانية وعشرين عاماً.
وفي حزب المؤتمر الوطني الحزب الحاكم، غادر المهندس إبراهيم محمود موقعه في رئاسة الحزب، وخلفه على الموقع الدكتور فيصل حسن إبراهيم.
أجمع المُراقبون على أن المُهمَّة الأساسيَّة للقادم الجديد، هي القضاء على مراكز القوى المُتعدِّدة داخل الحزب، والتي يرفض بعضها إعادة ترشيح الرئيس عمر البشير في الانتخابات القادمة.

- 2 -

عقب تلك التعديلات، حدث تغييرٌ مُهمٌّ داخل الجيش السوداني أعفي على أثره الفريق عماد عدوي رئيس هيئة أركان الجيش وأحد المُنسِّقين الأساسيين لمُشاركة السودان في عملية عاصفة الحزم.
الغريب في الأمر أن إعفاء عدوي الذي عاد إلى الخرطوم قادماً من الرياض، في زيارة مُتعلِّقة بعاصفة الحزم، جاء متزامناً مع تغييرات مُماثلة في الجيش السعودي، فقد صدر قرارٌ ملكيٌّ أحال الفريق الأول الركن عبد الرحمن بن صالح البنيان للتقاعد من رئاسة الأركان، والرجلان كانت تجمعهما لقاءات مشتركة في الرياض قبل 24 ساعة من صدور قرار إعفائهما.

- 3 -

التوقعات الآن تمضي في اتجاه إحداث تغييرات واسعة داخل الجهاز التنفيذي (الحكومة المركزية)، خاصة في الوزارات المعنية بالاقتصاد، لا سيما أن السودان بات يُواجه أزمةً اقتصاديةً خانقةً في الشهور الأخيرة.
وكثُرَ الحديث عن سوء الأداء الاقتصادي للوزراء المعنيين بإدارة شأنه، وتعالت المُطالَبات داخل الحزب الحاكم، وفي الصحف السودانية بإقالتهم.
من الواضح، أن قاعدة اختيار الطاقم الاقتصادي في الحكومة السودانية، قاعدةٌ محدودةٌ ومحصورةٌ بين الحزب والجيش، ولا تتَّسع لآخرين من ذوي الكفاءة والخبرات النوعية.

- 4 -

التحدِّي الأكبر الذي يُواجه الحكومة السودانية، مُتعلِّقٌ بالتوسُّع في الإنتاج، وابتدار الاستثمارات الواسعة، والمقدرة المُبدعة الخلَّاقة، على إدارة الموارد، والتركيز على المزايا التفضيلية للاقتصاد السوداني الذي يزخر بكثيرٍ من الثروات وإمكانيات الطبيعة.
في دولةٍ مثل ماليزيا، أصبح شجر المطاط إحدى الروافع الاقتصادية التي انتشلت الدولة من مستنقعات الفقر وأُتون الحروب، إلى منصَّات التقدم والازدهار.
في زمنٍ قياسي، استطاعت سنغافورة تجاوز واقعها البائس، لتضع نفسها ضمن العشرة الأوائل، لأكثر أسواق المال العالمية تقدُّماً.
استغلَّت سنغافورة موقعها الجغرافي المُتوسِّط، بين اليابان وأوروبا، واندماجها الكامل في الاقتصاد الدولي، فأصبحت تستقبل 70% من تجارة الحاويات في العالم، كما تحوَّلت إلى أحد أهم المراكز المالية العالمية.

- 5 -

الخيار الأفضل للحكومة السودانية أن تستعين بالخبرات والكفاءات الوطنية، التي لها تجارب خارجية مُميَّزة في الدوائر الاقتصادية العالمية، ولا يوجد ما يمنع الاستعانة بخبرات أجنبية في القطاعات الاقتصادية المُهمَّة.
ألم تَسْتَعِنْ بريطانيا بكُلِّ ما لديها من كفاءات مُتميِّزة، بخبرة مارك كارني الكندي لإدارة بنكها المركزي، وهو أوَّلُ أجنبيٍّ يتقلَّد منصبَ مدير البنك المركزي فيها بعد 318 عاماً منذ إنشائه؟
دعكَ من بريطانيا المُتقدِّمة، في الكونغو وأوغندا أُوكلت إدارة مرافق اقتصادية مُهمَّة لهنود وبلجيكيِّين، وفي كينيا أصبح الهنود وزراء.
لا نُطالب بأجنبيٍّ لإدارة البنك المركزي في السودان؛ ولكن لماذا لا يكون محافظ بنك السودان واحداً من الكفاءات السودانية- غير الحزبية- المُتوفِّرة في المؤسسات الاقتصادية العالمية، ولها الرغبة والمقدرة على خدمة الوطن؟!

-أخيراً-
فكلما ضاق الوضع، وصعب الحال، لا خيار سوى أن تتسع الرؤية بالتفكير خارج الصندوق القديم.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال