كتاب وأراء

حديث الأخلاق

ترتبط الأخلاق ارتباطاً وثيقاً بكل جوانِب حياة الإنسان؛ فتصرفات الإنسان تعكِس ما يتّصف به من أخلاقٍ، فالشكل الخارجيّ يُسمى بالخَلْق وهو ما يظهر لكل شخصٍ، بينما الخُلُق لا يظهر إلّا بعد التعامل مع الشخص، وعليه تُعتبر الأخلاق هي المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها أي مجتمع؛ فالجميع يعيش تحت مظلةِ المُجتمع ولابدّ من تنظيمِه بقواعَد محدَّدةٍ من أجل أن يكون قوياً وسليماً.
لذلك يتعامل الكثير مع الشخص الواحد أو الفرد على أساس أي مجتمع جاء منه أو ينتمي له أو أي بيئة تأثر بها وبلا شك هذه البيئة فيها أشخاص هم مؤثرون ومربون ومعلمون تركوا أثراً في هذا الفرد أو المجتمع عموماً، فالولد الصالح دائماً ما يُقال عنه لصلاحه «رحم الله والديه لهذه التربية» والعكس إن كان غير صالح، وإن كانت بعض الحالات تُثبت أنها حالات صالحة خرجت من بيئة أقل ما يقال عنها سيئة الذكر ولكن للأغلبية كلمة، ولو أعود لأصل الفكرة من هذا المقال هو أن أخلاق أفراد الشعب من أخلاق حاكمهم أيضاً، ولعل ما تتعرض له دولة قطر من حصار جائر تعدى السبعة أشهر حتى الآن يُثبت بما لا يدع للشك مجالاً أن أخلاقيات كل القطريين، بل والمقيمين بات يُشار لها بالبنان؛ فرغم الشتم والسب، بل والقذف في الأعراض، لم تأت المعاملة بالمثل أبداً؛ لأن الجميع لا يمثل أخلاقه، بل يمثل أخلاق دولة وحاكم، دولة أذهلت الجميع بثبات أعمدة سيادتها، وحاكم بهر العالم أجمع بحكمة تصرفه وحنكة قيادته لينتج عن ذلك شعب تحلى بأخلاق الديانات السماوية التي ترفض هذا الانزلاق الأخلاقي الخطير، هذا الشعب الذي يجد في قائده سيدي تميم المجد خير مثال للأخلاق الراقية في مواجهة اللاأخلاق «وهذا أقل ما يُقال عن كل ما يصدر من الجوار من شتائم وسباب وصلت للأعراض»
وسيقول لك «من لا أخلاق لهم»، مبررين رفضهم حديث الأخلاق،: إن السياسة لا أخلاق لها، بل مصالح وقد كنا نعهد أن هذه المقولة حصرية للسياسيين ومفهومة ومبررة لهم، أما الآن فقد أصبحت صالحة لاستخدام الإعلاميين والمثقفين والكتّاب والمحلّلين والذباب المنتشر في أرجاء شبكات التواصل والإعلام وكأن الناس كلهم أصبحوا سياسيين، وحقيقة لا توجد حالة يمكن وصفها بأنها مرحلة خلط للأوراق أكثر مما يجري الآن.
ومن خلال بحثي بالموضوع وجدت أنه في تاريخ البشرية الطويل كان الإنسان دوماً يجد حرجاً وصعوبة في تبرير موقفه الأخلاقي حين يُطلب منه ذلك، لكنه يجد عشر ذرائع لتبرير موقفه غير الأخلاقي حين تطلب نفسه ذلك، فإذا كُنتَ ممن يحرص حقاً على الالتزام بأخلاقيات العيش والتعايش فلا تعتمد أبداً على قدرتك الداخلية في تبرير أفعال ومواقف جديدة كُنتَ تراها قبل وقتٍ قريب مواقف غير أخلاقية، إذ تنطوي دواخلُ كل واحد فينا على قدرات فذة لتبرير ما نشتهي، وتحويله من قوائم المواقف اللاأخلاقية إلى قوائم الأخلاقية، ثم مع الزمن والتمرّس في التبرير يصل هذا الإنسان المتحوّل إلى درجة متقدمة تجعله ينظر إلى المواقف الأخلاقية للآخرين بوصفها «سذاجة وسطحية وقصوراً في فهم الواقع ومثالية ليس هذا زمانها ولا مكانها».
وكثيراً ما يقولون لك: إنّ السياسة شيء والأخلاق شيء آخر، وهذا صحيح إذا ما اعتبرنا السياسة مجرد ألاعيب وشطارات فردية هدفها التوصل إلى السلطة والتمتع بمباهجها، ولكنّ هناك مفهوماً آخر للسياسة مختلف تماماً، إنّه المفهوم النبيل بالمعنى الأخلاقي العالي للكلمة، إنّها السياسة بالمعنى الاستشرافي البعيد المدى وهي التي تؤدي إلى صنع الحضارات والنهضات على عكس الأولى، وعموماً يمكن القول إنّ السياسة إذا ما أدّت إلى خدمة الصالح العام وازدهار الشعوب فإنّها تكون أخلاقية وإذا ما أدّت إلى نهب المجتمع والدولة وتحقيق مصلحة الفئة الحاكمة وحدها وتركت الشعب يغطس في الجوع والبؤس والتهميش فإنها تكون لا أخلاقية بالمرّة، ومن ثم فهناك سياسة أخلاقية وهناك سياسة لا أخلاقية، وللعلا يا موطني.

بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل