كتاب وأراء

عربيا .. الإعلام الحلقة الأضعف في حروب الجيل الرابع !


السيطرة على العقول لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه بالسلاح هي الهدف مما أصبح يسمى بحروب الجيل الرابع. والإعلام هو أحد الوسائل البارزة لتحقيق هذا الهدف ؛لأنه بطبيعته يؤثر سريعا وبشدة على تشكيل الرأي العام. وبما أن منطقتنا العربية أكثر عرضة لهذه الحروب، فقد عملت حكوماتها ونخبها،على قلب المعادلة، وذلك بأن تحول الإعلام إلى مصدر للمناعة ضد هذه الحروب لا سببا في انتشارها.
في إطار تفكيك المسألة بحثا عن مخرج إيجابي،علينا ألا نعمم وأن نسمي الأشياء بمسمياتها أي أن نفسر ما يجرى وفقا لعناصره اللصيقة والحقيقية، فيه تنجلي الرؤية أكثر ونضع أيادينا على نقاط الضعف الحقيقية، ومن ثم يتجه الجهد المخلص للتعامل معها والنجاح في التغلب عليها.
الفضاء الإلكتروني، وما أصبح يسمى بالإعلام البديل، مصطلحات ومفاهيم جديدة فيها من الغموض أكثر مما فيها من الوضوح، ومن ثم لا يجوز مطلقا أن نزج بالأشياء على بعضها البعض خصوصا إذا كانت هناك فوائد واضحة جلية من بعض عناصرها، وإذا كانت متميزة عن بعضها البعض وليس بالضرورة أنها متداخلة.
إذا كان هذا هو الحال، فلماذا تحدث المشاكل إلى حد الهلع حقا؟. وواقع الأمر فعلا أن هناك أخطاء تصل إلى حد الجرائم، بل والتدمير لكل الإنجازات التي تحققها أمة من الأمم وبالأخص عندما يجرى تدبيرها وفق قواعد حروب الجيل الرابع. هنا فإن الداء لا ينحصر تحديدا في هذه الآليات خصوصا عندما تقع في مجال الإعلام بصوره المختلفة، وإنما في الاستخدام السيئ لها من ناحية، وفي غياب المناعة الوطنية الطبيعية التي تتصدى لهذا العبث المميت، تلك المناعة التي لا تتحقق إلا بتضافر الجهود بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية من ناحية أخرى.
لقد أدى التوسع في الآليات الإعلامية المعتمدة أساسا على ما يوفره الفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا الرقمية إلى تراجع دور المؤسسات إلى حد أنها أصبحت بديلا لها، وهو أمر جد خطير لا يمكن السكوت عليه لأنه يهدم منجزا بشريا لطاما قامت عليه حضارة الأمم. التفريط في دور المؤسسات يعني مباشرة صعود الشعبوية حيث الحكومات التي تريد أن تعمل بعيدا عن المؤسسات وتتعامل مباشرة مع الشعب مستغلة مشاعره المتقلبة وخلافاته المجتمعية الطبيعية، وذلك تطور مناهض تماما لتوجه الحكومات والأمم إلى الديمقراطية بغض النظر عن صور تطبيقها وفقا لطبيعة كل مجتمع.
كما أدى طوفان هذه الآليات الإعلامية إلى كارثة غير مسبوقة تهدر الحق الطبيعي لأي مواطن معاصر في أي مجتمع كان، في الحصول على المعلومة الصحيحة، وتتمثل هذه الكارثة في نشر الأخبار الكاذبة وكذلك في الحروب السيربرانية حيث الاختراق لمواقع وحسابات الغير ونشر معلومات مغلوطة تضر بأمن ومصالح الحكومات والشعوب، ثم يتم توجيه اتهامات عدائية ضد من وقعوا ضحية الاختراق. زد على ذلك الاعتداءات اليومية المتكررة على الحياة الخاصة للناس.
وحتى لا نقع في خطأ جلد الذات، فإن العالم الغربي المتقدم يعاني من نفس هذه المشاكل ويواجه نفس ما يواجهه عالمنا العربي حول ما يسمى بحروب الجيل الرابع بالقياس مع الفارق، حيث لا يزال صلبا ولديه الإمكانات التي تعينه على إجهاض كل ما قد يصدر من صور لهذه الحروب.
تصحيح المسار ليس بعيد المنال كما يتصور البعض، والرسالة هنا ليس للإعلام المقروء، حيث لايزال قابضا على الجمر دفاعا عن الثوابت الوطنية، وملتزما إلى حد كبير، ولا إلى الفضائيات ووكالات الأنباء الرسمية، وإنما إلى كل صور الإعلام الجديدة التي تزداد انتشارا ابتهاجا بالفرص التي يتيحها الفضاء الإلكتروني. لقد باتت الحاجة ماسة للغاية إلى الحفاظ على المؤسسات، والتوسع فيها، وفقا لمتغيرات العصر والاحتياجات المجتمعية؛ لأنها وحدها القادرة على تقديم المعلومة الصحيحة والتصدي لكل صور ممارسة حروب الجيل الرابع، وكذلك على نزع المواطن من دائرة الفردية إلى دائرة العمل الجماعي. هذا بجانب الاهتمام الشديد بالتعليم والثقافة (القوى الناعمة)، مع انتظار أن يتوصل العالم إلى صيغ قانونية للتعامل مع أي انحراف فيما يخص الآليات الإعلامية المنتمية إلى عالم الفضاء الإلكتروني.
بقلم : د. عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد