كتاب وأراء

عودة أميركية إلى السلاح النووي

ماذا يعني أن يوقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الموازنة الجديدة لوزارة الدفاع والتي سجلت رقماً قياسياً هذا العام اذ وصلت إلى 700 مليار دولار. وماذا يعني ان تنص الموازنة العسكرية الجديدة على الالتزام برفع هذا الرقم إلى 716 مليار دولار في العام القادم؟ عندما كانت الولايات المتحدة تجتاح العراق في عام 2002، وعندما كانت تخوض في الوقت ذاته الحرب في أفغانستان، وعندما كانت تعزز قواها العسكرية في أعقاب حادث الاعتداء الإرهابي على نيويورك، كان حجم الموازنة العسكرية لا يتجاوز الرقم 437 مليار. أي بزيادة 26.6 بالمائة عن موازنة العام 2001.
من هنا السؤال: ماذا يعني القفز بالموازنة العسكرية إلى هذا الرقم المرتفع جداً هذا العام والذي لا سابق له في التاريخ الأميركي؟.
هل هي موازنة حرب؟ وضد من؟.
يزيد حجم الموازنة العسكرية الأميركية الجديدة عن حجم الموازنتين العسكريتين للاتحاد الروسي 9 مرات، والصين 3 مرات.
مع ذلك انتقدت الولايات المتحدة كلاً من موسكو وبيجين بسبب رفع موازنتيهما العسكريتين.
يقول وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ان الموازنة الجديدة تعني مزيداً من التسلح، ومزيداً من تطوير السلاح، ومزيداً من التدريب، ومزيداً من التجنيد.
ولكن لماذا؟. هل تشعر الولايات المتحدة بأن خطراً يتهددها؟ ومِن مَن؟. حتماً ليس من كوريا الشمالية؟ اذن من الصين؟ أو من روسيا؟.
في الواقع فإن الاتحاد الروسي والصين يحتلان الآن موقعين متقدمين على مسرح السياسة الدولية. وهذه ظاهرة جدية تتناقض مع صورة العالم اثر انتهاء الحرب الباردة. وهي الصورة التي أقام عليها في ذلك الوقت المفكر الأميركي من اصل ياباني فوكوياما، نظريته حول نهاية التاريخ، مكرساً سيطرة الرأسمالية الليبرالية بزعامة الولايات المتحدة.
غير ان الواقع اليوم مختلف تماماً. فهو واقع يبدد الاحلام الأميركية السابقة ويرسم صورة جديدة لم تجد إدارة ترامب لتغييرها أفضل من الذهاب إلى أقصى حدود التسلح والتهديد بالسلاح.
لقد طرحت نهضة الصين بزعامة الرئيس شي جينبينغ مفهوماً جديداً، ودوراً جديداً للدولة الكبرى في لعبة الأمم. وفي الوقت ذاته أعادت نهضة روسيا بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين طرح التحديات التي كانت تواجهها معها الولايات المتحدة وكأن الحرب الباردة لم تنته. وكأن جدار برلين لم يسقط.
وفي رأي الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الاسبق واستاذ العلوم السياسية أن سقوط الاتحاد السوفياتي كان أكثر أهمية من الوحدة الألمانية. وان هذه الوحدة هي أكثر أهمية من قيام الاتحاد الأوروبي. وفي رأيه أيضاً ان نهوض الصين والهند هو أشد أهمية من انهيار الاتحاد السوفياتي.
ولكن بوتين يعيد اليوم الحياة لذلك الاتحاد تحت شعار الاتحاد الروسي.
ففي مقابل محاولات حلف شمال الأطلسي التمدد شرقاً نحو روسيا، قام الكرملين باجتياح دولتين من دول أوروبا الشرقية، اضافة إلى ذلك تتبادل واشنطن وموسكو الاتهامات بخرق المعاهدة التي تتعلق بالصواريخ المتوسطة الحاملة رؤوساً نووية.
وهذا ما يفسر تأييد ترامب مخططاً لإنتاج أسلحة نووية صغيرة أو تكتيكية، وعدم الاعتماد على القنابل النووية والهيدروجينية الكبيرة – لتعذر استخدامها في الصراعات العسكرية. وهذا يعني ان تصغير حجم السلاح النووي يصبح قابلاً للاستخدام، الأمر الذي يشكل خطراً على سلامة الانسانية جمعاء.
وبموجب الموازنة الأميركية الجديدة سيكون باستطاعة البنتاغون إنتاج هذه الأسلحة النووية، صغيرة أو المحدودة الفعالية. الأمر الذي يشرّع الابواب أمام إنتاج (روسي أو صيني أو كوري شمالي) معاكس.
ومن الملاحظ انه مع التصديق على الموازنة العسكرية الجديدة نشرت الإدارة الأميركية ثلاث وثائق هامة: الأولى حول استراتيجية الأمن القومي، والثانية حول استراتيجية الدفاع الوطني، أما الثالثة فحول اعادة النظر في استخدام السلاح النووي.
وفيما يتعدى الوثائق الثلاث، هناك تركيز مباشر ليس فقط على ما يشكله الاتحاد الروسي والصيني من خطر على الولايات المتحدة، ولكن التركيز الأهم كان على «فوضى السياسات» المترتبة عن مواقف الرئيس ترامب، وبصورة خاصة رفضه النظام العالمي الجديد الذي لعبت الولايات المتحدة الدور الأكبر في بلورته وصياغته منذ عدة عقود.
قبل تسع سنوات اعلن الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما في براغ استراتيجية أميركية جديدة تقوم على مبدأ تجريد العالم من السلاح النووي. وبسبب ذلك حصل على جائزة نوبل للسلام.
أما اليوم فإن الرئيس ترامب يعلن رسمياً الاعتماد على السلاح النووي التكتيكي. ويصادق على موازنة عسكرية جديدة متضخمة على حساب موازنة الدبلوماسية الأميركية التي خفضت بنسبة 25 بالمائة. وهذا يعني دبلوماسية اقل.. وعسكرية أكثر.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك